كان الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788-1860) صاحب نظرية مذهب التشاؤم، فقد كرس جزءا لا بأس به من حياته لسبر أغوار العلاقة بين السياسة والأخلاق، واكتشف في نهاية المطاف أن ثمة عجزا أخلاقياً رهيباً في السياسة الحديثة، وعزا حالة الافتقار إلى الأخلاق هذه جزءا كبيرا من شرور وأمراض العالم في سائر أرجائه.

كما ظهر بعد شوبنهاور العديد من الفلاسفة والمفكرين الذين يتفقون مع الفيلسوف الألماني الشهير، وجميعهم يحمل الشطط السلطوي والتدهور الأخلاقي العميق في القيادة معظم شرور العالم ونكباته. لكن في حين يصل شوبنهاور إلى استنتاجه الذي يقول: إن السياسة تفتقر للأخلاق، فلا شك أنه لو كان قد درس مآسي ومعاناة عصرنا، التي تعد أسوأ وأكثر دموية من تلك التي شهدها في حياته، لانتابه الهلع.

إن تدني المستوى الأخلاقي أو الافتقار له كليا يبين أن السياسة عادة ما تعطي الأنظمة الحاكمة امتيازات مبالغاً فيها على حساب الشعوب التي تحكمها تلك الأنظمة. والواقع المعاش يزودنا بأمثلة لا حصر لها في هذا المجال، ولربما أبرز تلك الأمثلة على الإطلاق يتمثل في موقف الغرب من الجرائم الإنسانية التي ارتكبها بنفسه ضد الكثير من شعوب العالم ومن بينها الشعب الفلسطيني،

والتركة التي خلفها لهذا الشعب والتي لا تزال تقطر دما، تركة قوامها نظام عنصري يتبجح ليل نهار بأنه يحمل هذه الصفة، محاولا تثبيتها بشتى الطرق والوسائل التي غالبا، إن لم نقل دائما، ما تكون بعيدة كل البعد عن الأخلاق.

كما تبين مسألة انعدام وجود الأخلاق بدورها كيف أن قادة يدعون أنهم ديمقراطيون ويتربعون على عروش أحزاب وحكومات ديمقراطية، يستطيعون بناء علاقات وثيقة مع أنظمة استبدادية حول العالم دون حرج أو تبرم، في ظاهرة تغص بالتناقضات بين الممارسات السياسية والمبادئ والقيم التي يدعون الدفاع عنها في بلدانهم القومية، بينما يتناسونها تماما عندما يتعلق الأمر بشؤون قوميات وشعوب أخرى.

وهذا التناقض ينسحب على جوانب أساسية أخرى من حياة البشرية، فبينما يحقق عالم التقنيات والعلوم الجديدة تقدما مشهودا، فإن السياسة لا تزال راكدة في مستنقعات القرنين التاسع عشر والعشرين، والأحزاب السياسية هي عبارة عن مؤسسات بالكاد أحرزت تقدما منذ القرن التاسع عشر، بحيث بات العجز الأخلاقي يمثل أكبر مصدر للعجز في عصرنا هذا.

ويمكن القول إن الفلسفة السياسية السائدة في زمننا الحالي ترتكز، في المقام الأول، على ظواهر جرت في القرن العشرين، حين ارتكبت شتى الأنظمة السياسية شتى أنواع الجرائم وقتلت الملايين من البشر وأزاحت شعوبا بأكملها عن مواطنها وأحلت مكانها شعوبا وجماعات أخرى غريبة عن تلك المواطن، مما ترك بؤرة النزاع متقدة على شكل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، في محاولة لاستعادة حق سليب أو رفع ظلم تاريخي.

خاصة وأن الجريمة الوحيدة ربما التي توقف عندها المجتمع الدولي وحاكم مرتكبيها وأنصف ضحاياها بصورة حتى مبالغ فيها هي الجريمة التي ارتكبها النازيون في أوروبا، في حين لم يتمكن أو لم يمتلك الإرادة السياسية لمعالجة الجرائم الأخرى التي لا تقل شأنا لا بمقدماتها ولا بنتائجها عن الجريمة النازية.

أخيرا، يمكن القول إن الأنظمة الديمقراطية الغربية تظهر، مرة تلو الأخرى، أنها تفتقر للبعد الأخلاقي في سياساتها عندما تدير الظهر لمآسي ومعاناة الكثير من الشرائح الاجتماعية التي تعيش في كنفها، فضلا عن تلك التي تتعرض لها الشعوب الأخرى خارج الحدود.

وهنا تبرز من جديد القضية الفلسطينية بأبعادها الإنسانية الواضحة وضوح الشمس، لكن على الرغم من ذلك فإن الديمقراطيات الغربية، التي تعد البطل الحقيقي في صناعة هذه القضية المأساوية، تدير الطرف عنها باستهانة متناهية وتنظر إليها بالمقلوب، في محاولة منها لقلب معادلة قضية أخرى تدعى القضية اليهودية التي تخص المجتمعات الغربية دون سواها،

وفي بادرة تؤكد صحة وجود طلاق بائن بين الأخلاق والسياسة، يدفع ثمنه كل من صغر حجمه وقلت قيمته، في عالم لم يعد يتكلم منذ زمن طويل إلا لغة الأرقام المولعة بالجشع وتحقيق الغاية بشتى الطرق والأحابيل، بغض النظر عما تولده على أرض الواقع من معاناة.

bassil@hotmail.com