قاعدة الرسوب والنجاح في المهام السياسية هي الفرصة الأخيرة التي يمنحها الشعب الأميركي وجهاز استخباراته للرئيس الحالي الذي تنتهي مدة ولايته بعد أقل من عام من الآن. فقد ثبت بالأدلة القاطعة انه لن يكون من المفيد أن تدخل الولايات المتحدة حربا جديدة تأتي على حساب الأمن القومي والاقتصاد الأميركي، وهذه هي النظرية التي يكمن خلفها هذا التقرير.

الولايات المتحدة ومن خلال تجاربها الحالية والسابقة، أثبتت أنها لا تجيد فن الاستعمار والاحتلال مهما كانت الذرائع، فالولايات المتحدة الأميركية تجيد اللعبة الاقتصادية أكثر من اللعبة العسكرية وكل الحقائق تشير إلى هذا الاتجاه، بل إن تجاربها في فيتنام كافيه لتأكيد هذا المنطق.

يبدو أن القضية الأميركية مع إيران تخطت المغامرات وأصبح من الضروري كبح طموحات المحافظين الجدد، وذلك بالإيقاف بهذه الطرق التي تبدو وكأنها تناقض بين جهازين أساسيين في الحكومة الأميركية.

الحقيقة أن هناك منهجية جديدة للتعامل مع الملف الإيراني سوف تبدأ مع الرئيس الجديد، ولكن القضية قد لا تبدو بهذه البساطة، فقد يتخذ الرئيس الحالي موقفاً مفاجئاً. العلاقة بين جهاز الاستخبارات في الدولة الأقوى في العالم وبين البيت الأبيض، ليست علاقة تكاملية سياسيا في المرحلة الحالية،

وخاصة ما تلوح به الأجهزة السياسية في أميركا عن الفشل المنتظر في العراق. لذلك فقد يكون النجاح في العراق يجب أن يأتي على حساب الفشل في إيران، في عملية سياسية معقدة بين الأطراف سواء داخل أميركا أو مع إيران نفسها.

لقد أدرك الرئيس الأميركي أثناء كلمته التي أعقبت إعلان الاستخبارات الأميركية، انه قد حان الوقت للقول بأنه لا يمكنه أن يتعلم في مدرستين متماثلتين إلى حد كبير في نتيجتيهما النهائيتين.

السؤال القادم يقول لك: هل اكتشفت الإدارة الأميركية أن خطأ كبيرا سوف يواجهها عندما تحاول التوغل في الخط الإيراني المعقد بينما لم تتأكد هي من تحقيق النجاح في مدرسة العراق؟ أضف إلى ذلك أن هناك الكثير من القضايا الساخنة التي تنتظر الإدارة الأميركية الجديدة في العالم.

هذا التراجع له علاقة كبيرة بتغير موقع الولايات المتحدة الأميركية على خارطة القوى في العالم، وقد يتسبب في إعادة ترتيب الأوراق العالمية من جديد. السؤال الآخر للرئيس الأميركي هو: لماذا لم يرغب خلال الفترة الماضية أن يكتشف هذا التوجه حيث الخط الإيراني الذي ينذر بالفشل منذ البداية؟

عندما جاء تقرير الاستخبارات كانت الرسالة الأولي في كيفية السير في خطين سياسيين مختلفين في الاتجاه ومتقاربين في النتيجة، ولكن نتيجة الخط الثاني خضعت لمعادلة الحسابات، حيث أظهرت نتائج هذه المعادلة كمية أكبر من الخسائر، ليست الحربية فقط وإنما الاقتصادية أيضا.

القضية الإيرانية مع الولايات المتحدة الأميركية معقدة إلى حد كبير، وهناك وسائل كثيرة يمكن أن تجعلها أفضل مشروع قد تدخله الولايات المتحدة لخدمة إسرائيل، كما أن الفترة التي سوف يعشها الرئيس الأميركي في البيت الأبيض ليست كافية لتعلم المزيد من الدروس، لذلك أصبح من الضروري أن تقوم الدولة الكبرى بتغيير موقفها من قضية السلاح النووي في إيران، على الأقل استخباراتيا.

قراءة جهاز الاستخبارات للأحداث في إيران ليست عفوية، ففي المجتمع الأميركي يوجد هناك أكثر من ست عشرة هيئة للاستخبارات من أهمها ـ وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) التي تعد الأكبر بين مجموعات كبيرة من الهيئات الاستخباراتية موزعة في مؤسسات المجتمع الأميركي.

ومع أن هذه الهيئات تعاني من عدم التنسيق بينها، إلا أن وكالة الاستخبارات المركزية تعتبر المحور الأساسي في المجتمع الاستخباراتي الأميركي. ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والاستخبارات الأميركية تعمل بشكل قريب من سياسة الإدارة الأميركية، بل أصبحت جزءا من الإعلام الأميركي في مناقشة السياسة الأميركية الخارجية.

التقارب الذي صنعته الاستخبارات الأميركية من صناعة السياسة جعلها تدخل في مسؤولية مباشرة عن الكثير من التقارير غير الدقيقة حول العالم، فقد كانت المسؤول الأول عن الكثير من القضايا التي ثبت عدم صحتها، ومنها بلا شك قضية العراق.

فقد كانت تبريراتها غير دقيقة في إعطاء الضوء الأخضر للهجوم على العراق، وخاصة بشأن أسلحة الدمار الشامل. بعد هذه الأخطاء الجسيمة في تسيير السياسة الأميركية، أصبح من الضروري مراجعة الكثير من المهام المناطة بأجهزة الاستخبارات الأميركية.

ففي العام 2004 وفي شهر ديسمبر تحديدا اصدر الكونغرس الأميركي قانونا إصلاحيا للاستخبارات، حيث لم تتعرض هذه المؤسسة للإصلاح منذ فترة طويلة وتحديدا منذ العام 1947. وقد يكون من المنطقي الربط بين تقرير الاستخبارات الأميركية حول السلاح النووي الإيراني، ومسار الإصلاح الذي تعرضت له أجهزة الاستخبارات الأميركية.

ويذكر تقرير «واشنطن بوست» في نسخته العربية على موقعه الإلكتروني دراسة مهمة وأساسية أصدرتها مؤسسة خدمة أبحاث الكونجرس Congressional Research Services في أكتوبر 2007 وأعدها «ريتشارد بيست» Richard A. Best Jr الخبير في مجالي الأمن القومي والشؤون الخارجية الأميركية، تحت عنوان: «قضايا استخباراتية أمام الكونغرس (Intelligence Issues for Congress).

هذه الدراسة طرحت الكثير من المعوقات في عمل جهاز الاستخبارات الأميركي الذي يبدو انه تعلم من تجربة العراق الشيء الكثير. من الواضح أن مسؤولية جهاز الاستخبارات أصبحت أكثر حساسية الآن،

وخاصة في مواجهة الشعب الأميركي الذي أصبح يتساءل عن دقة تلك المعلومات التي يقدمها هذا الجهاز للبيت الأبيض الذي يبني عليها الكثير من القرارات الأساسية، وخاصة تلك المتعلقة بالحروب التي تشنها أميركا حول العالم.

في الجانب الاقتصادي تواجه الاستخبارات الأميركية ضغوطا كبيرة من جانب الشعب الأميركي، فقد «ارتفع إجمالي الدين العام للولايات المتحدة من 57% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2001 إلى ما يقارب نسبة 5. 62% من الناتج المحليّ الإجمالي عام 2004، حتى وصل إلى أعلى مستوياته 5. 65% (965. 8 تريليون دولار) في عام 2007، بسبب تزايد النفقات،

خاصة نفقات الحرب في العراق. ومن المتوقع أن يسمح المشرعون الأميركيون للحكومة بتجاوز الخط الأحمر ـ أي 965. 8 تريليون دولار ـ حتى تستطيع تسديد التزاماتها نحو مشتري سندات الخزانة الأميركية».

«كما يعاني الاقتصاد الأميركي مجموعة تحديات أخرى أهمها ارتفاع معدلات التضخم حتى وصل إلى 8. 1% عام 2007، بعد أن ظل عند معدل 6. 1 أواخر التسعينات، وانخفاض حجم الاستثمارات بفعل المخاوف من مشكلات أسواق المال الأميركية، الأمر الذي جعل كثيرين من المستثمرين الأجانب يترددون في ضخ أموال جديدة داخل الولايات المتحدة».

المعادلة السياسية لم تكن وحدها في مواجهة الرئيس الأميركي وتعطيل مخططاته المستقبلية في المنطقة وخصوصا قضية إيران، ولكن من الواضح أن العقلانية في السياسية الأميركية بدأت تستعيد عافيتها بعد أن فقدتها لسنوات طويلة.

المسؤولية أمام الشعب الأميركي تبرأت منها الاستخبارات بهذا التقرير، وبقي دور السياسة الأميركية التي يجب أن تذعن للعقلانية التي بدأت مؤشراتها في هذا التقرير، ولن تكون الاستخبارات مسؤولة بعد اليوم عن محاولات الإدارة الحالية عند اتخاذ قرارات قادمة حول إيران والمنطقة بأكملها

كاتب سعودي

Mhkm1111@yahoo.com