.. ولماذا أصلاً كانت الضجة الأميركية حول برنامج إيران النووي؟ كانت من أجل إسرائيل. بحماية أمن إسرائيل وضمان بقائها القوة الإقليمية العظمى المتفوقة في منطقة الشرق الأوسط هو حجر الزاوية في السياسة الدولية للولايات المتحدة منذ قيام الدولة اليهودية قبل نحو ستين عاماً.
وفي سبيل هذه الغاية حرصت الإدارات الأميركية المتعاقبة على منع دول المنطقة الأخرى العربية والإسلامية من تملك قوة نووية تهدد الانفراد الإسرائيلي بالرادع النووي. وهكذا نسف سلاح الجو الإسرائيلي المفاعل النووي العراقي خلال عقد الثمانينات بإيماءة من واشنطن.
والآن وقد انخفضت حدة الضجيج الأميركي بشأن البرنامج النووي الإيراني هل يعني هذا التحول النسبي أن الولايات المتحدة راجعت ثوابت سياستها في الالتزام بحماية الأمن الإسرائيلي؟ قطعاً لا، لقد ظلت إدارة بوش خلال السنوات الأخيرة تلوح باحتمال شن حرب على إيران باعتبار فرضية أن البرنامج النووي الإيراني مصمم على أساس تحويله لاحقاً إلى تصنيع أسلحة نووية،
وفجأة يصدر تقرير عن تجمع وكالات الاستخبارات الأميركية ينسف الأساس الذي أقيمت عليه سياسة إدارة بوش نحو المشروع النووي الإيراني. فالتقرير يقول إن السلطات الإيرانية توقفت منذ عام 2003 وحتى اليوم عن أي أنشطة لإنتاج أسلحة نووية،
وبما أن هذا التقرير يأتي بعد أن نصح خبراء الاستراتيجية العسكرية في إدارة بوش بأن تنأي الإدارة بنفسها عن مخاطرة مهاجمة إيران عسكرياً فإن من المرجح أن التقرير الاستخباراتي أعد أصلا بإيعاز من الإدارة لكي يمهد ويبرر لتحول السياسة الأميركية عن الخيار العسكري.
ويبدو أن قادة إسرائيل يتفهمون هذا التحول. بل وأغلب الظن أن الإدارة الأميركية تشاورت مع إسرائيل قبل أن تقرر نهائياً تغيير دفة سياستها نحو إيران، والدليل على ذلك أن القادة الإسرائيليين لم يهاجموا مضمون التقرير والوكالات الاستخباراتية الأميركية التي أعدته
بينما سبق أن هاجموا مدير عام وكالة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي، عندما أصدر إعلانا مماثلاً يبرئ البرنامج النووي الإيراني من أي شبهة عسكرية.. بل واتهموا البرادعي بالتحيز إلى طهران.
والسؤال الذي يطرح هو: أين تتجه الأمور بعد ذلك؟ مضمون التقرير الاستخباراتي الأميركي يبدو صحيحاً خاصة أنه يتطابق مع تقييم وكالة الطاقة الذرية، لكن تطور البرنامج النووي الإيراني إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية يبقى احتمالاً قائما.
يقول الخبراء إن هناك شرطين ينبغي أن يتوفرا لدى أي دولة تطمح إلى إنتاج أسلحة نووية: المعرفة النووية والقدرة الفنية، وإيران لا تملك الشرطين فحسب بل إنها تمتلك ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي تمكنت بالفعل من الوصول إلى مرحلة تخصيب اليورانيوم ـ المادة الخام لتصنيع سلاح نووي.
وإذا كانت السلطات الإيرانية متوقفة على مدى أربع سنوات عن دخول مرحلة إنتاج الأسلحة فان هذا لا يعني أنها ليست قادرة على الإنتاج في وقت لاحق. بالتالي فان السؤال التالي الذي يطرح هو: ألا تعرف الولايات المتحدة هذه الحقيقة؟ ألا تدرك أن احتمال خطر البرنامج النووي الإيراني يبقى ماثلاً على مدى المستقبل المرئي؟
والسؤال يولد تساؤلاً: ألا يعني تخلي أميركا عن الخيار العسكري تجاه إيران إجراء مرحلياً مؤقتاً؟
من المؤكد أن الولايات المتحدة لن تشن حرباً على إيران طالما بقيت متورطة حالياً في حربي ـ العراق وأفغانستان ـ تستنزفان قواها القتالية واقتصادها الوطني.
والسؤال الأخير هو: متى تتخلص أميركا من عبء العراق وأفغانستان.. وهل تخرج منتصرة أم منهزمة؟