يعيش الوضع الفلسطيني حالة ملتبسة، بين التأزيم والحلحلة. التوتر بين «فتح» و«حماس»، لا تزال علاماته قائمة. في الخطاب، كما في التعامل. في الوقت ذاته تطل إشارات وتسريبات واعدة لجهة رأب الصدع بين الفصيلين؛ تمهيداً لإجراء مصالحة وطنية شاملة وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي.

ويبدو، في ضوء ما تناقلته معلومات منسوبة إلى مصادر فلسطينية، أن كفة العودة إلى الحوار بينهما؛ باتت راجحة. وهذا بحد ذاته سيكون تطوراً ايجابياً؛ هو الأول من نوعه، منذ أكثر من ستة أشهر. الأهم، إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، أن مثل هذا الاستدراك يكون قد جاء في لحظة ـ ولو متأخرة ـ حاسمة؛ إن على صعيد وقف النزف الفلسطيني وتقليل خسائره بالتالي؛ أو على صعيد إعادة بناء وحدة الصف الفلسطيني، لتمكينه من مواجهة تحديات مرحلة التفاوض النهائي؛ المفترض أن تبدأ قريباً.

فإسرائيل تهدد باجتياح غزة؛ بذريعة ان صواريخ حماس صارت أكثر تطوراً ويجب وضع حد لها، كما عادت عملية الاستيطان إلى الانفلات، في ضواحي القدس؛ بالرغم من التمسح بالسعي إلى السلام والوعود بأن تؤدي مفاوضات الحل النهائي إلى إقامة دولة فلسطينية قبل نهاية العام المقبل. ولم تنفع شكوى السلطة الفلسطينية في هذا الخصوص، إلى إدارة الرئيس بوش، مع أن قرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يأتي في وقت لم يجف معه بعد حبر انابوليس.

فضلاً عن انه يأتي عشية إطلاق المفاوضات المفترض أن تتناول القضايا الخلافية الأساسية. وكان من الواضح أن تل أبيب تبني حساباتها وتتخذ خطواتها في الآونة الأخيرة؛ على إيقاع وتيرة المناكفات بين الضفة وغزة؛ وما سبق ذلك من مواجهات بينهما.

تدهور واقع الحل الفلسطيني بالصورة المعلومة، كان فرصة ذهبية؛ عملت حكومة أولمرت لتوظيفها على خطين متوازيين: توسيع الشرخ الفلسطيني؛ وترسيخ نهج الاستفراد في التعاطي معه. وكانت إسرائيل حريصة على إطالة أمد القطيعة بين رام الله والقطاع؛ من خلال اعتماد سياسة مزوجة، في ظاهرها، حيالهما؛ لكنها في النهاية تصب في خدمة استراتيجية واحدة: فرق تسد.

ولا تزال بقايا التوتر قائمة: السلطة توقف معاشات موظفي الصحة في غزة؛ وفقاً لما تقوله «حماس». و«فتح» تقول إن هناك صفقة بين «حماس» وإسرائيل، أدت إلى فتح معبر رفح أمام الحجاج. تراشق يعكس مدى حدة الخلاف المستحكم بينهما، مع ذلك تتوالى الإشارات حول استئناف الحوار، لاستعادة ولو الحد الأدنى من اللحمة الوطنية.

وحسب المصادر، أنه قد تم التوصل إلى «ورقة تفاهمات»، بين «فتح» و «حماس»؛ تشكل مدخلا للعودة إلى الطاولة. بل حسب «حماس»، أن التوافق قد تحقق حول «نقاط خلاف كثيرة»؛ من خلال اتصالات جرت بموافقة قيادة الحركة والرئيس عباس؛ وإن ما تبقى من أمور يغلب عليه الطابع الإجرائي مثل «من يتخذ المبادرة الأولى نحو المصالحة» وبالتالي وضع الآليات للتنفيذ.

وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أن لقاءات أخرى من المزمع إجراؤها في الأيام القليلة المقبلة لاستكمال المقدمات والدخول من ثم في حوار المصالحة. وبالترافق مع ذلك دخلت وساطات عربية مؤثرة على هذا الخط.

والمشجع أن ذلك يحصل على خلفية هدوء ميداني بين الفصيلين. لقد طالت رحلة القطيعة وكبرت خسائرها. وعسى أن يكون ذلك قد أدى إلى إدراك الفريقين بأنه لا بديل عن الحوار والمصالحة الوطنية الفلسطينية.