كابر الرئيس الأميركي جورج بوش في اللحظة الأولى من الإعلان عن تقرير الاستخبارات الأميركية الذي أعطى إيران صك براءة من السعي إلى امتلاك سلاح نووي، غير انه ومع موجة المد العالي التي ذكرت الرئيس الأميركي بكذبة أسلحة الدمار العراقية، جعلت من نائبه ديك تشيني قناة خلفية لتخفيف التشدد الذي أبداه بوش بإصراره على استمرار الخطر الإيراني.
تشيني اعترف بوجود صعوبات حتى في الجهود الدبلوماسية للتعامل مع الملف النووي الإيراني، رغم استمرار الحلفاء الغربيين بالعزف على لحن العقوبات الدولية المشددة ضد طهران. فقد عرى تقرير 16 وكالة استخباراتية أميركية،
مزاعم البيت الأبيض والعديد من العواصم الغربية التي أوشكت على إعلان الحرب على طهران، ورأينا كيف لم تستبعد فرنسا شن عملية عسكرية ضد إيران، وتحذير بوش من حرب «عالمية ثالثة» على خلفية «الخطر النووي الإيراني».
تقرير الاستخبارات الأميركية وضع بوش وأركان حكمه من هواة ارتداء خوذة الحرب الفولاذية، في ركن يصعب التملص منه، وهو ما جعل إيران تعلن النصر المبكر في معركتها الدبلوماسية مع الغرب، الذي اسقط في يده،
لان التقرير لم يخرج من دول محابية لإيران أو حتى من جهة محايدة، بل جاء من عقر الدار الأميركية التي لا يشك أحد في أنها تنبش ليل نهار عن مبرر يدعم رؤيتها لما تعتبره خطرا إيرانيا على أمن العالم!
ومن هنا فان حديث بعض المحللين السياسيين عن سقوط الخيار العسكري في الملف النووي الإيراني له وجاهته، غير أن الأمر يحتاج إلى التعامل معه بحذر شديد، في ضوء الموقف الإسرائيلي الضاغط من اجل إجهاض التجربة النووية الإيرانية السلمية، خشية حصول طهران على الخبرة النووية وبما يمكنها لاحقا من امتلاك سلاح نووي إذا أرادت.
ومن هنا فان التربص الإسرائيلي والأميركي بإيران، لن يتوقف عند حدود الملف الإيراني الذي مثل في السنوات الأخيرة قمة جبل الجليد، ولن تتوانى الدولتان عن اختلاق الحجج والذرائع من اجل تضيق الخناق على إيران والتحرش بها.
وبالتالي يتحتم على إيران إلا تستكين إلى تبرئة أجهزة الاستخبارات الأميركية لساحتها النووية وإعلانها الوقف لبرنامجها النووي العسكري في عام 2003، وعلى المسؤولين الإيرانيين فتح الأعين على اتساعها في المرحلة المقبلة، لرصد ما يمكن أن يخرجه الغرب من جرابه، كما يفعل الحواة.
تقرير الاستخبارات الأميركية جاء لإبراء الذمة من اتهامات سابقة لتزوير أدلة ثبت كذبها في ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية، وحتى لا يمتطي البيت الأبيض أجهزة الاستخبارات، ومن ثم توريط البلاد في حروب ومستنقعات موحلة كما هو الحال في ارض الرافدين وأفغانستان.
وهذا التقرير وان يخدم إيران بدرجة كبيرة، إلا انه يعيد الأمور إلى نصابها في عمل المؤسسات الأميركية، التي تداخلت الخطوط الفاصلة بينها في مرحلة ما قبل غزو العراق.اليوم لم تعد كل الخيارات متاحة أمام الإدارة الأميركية وان أصر بوش (حفظا لماء الوجه)
على خطورة البرنامج النووي الإيراني، غير أن الغد لا نعرف ماذا يحمل في ظل النوايا السيئة تجاه إيران، التي لا تكف عن تأكيد سلمية برنامجها النووي، وهو ما تدعمه أيضاً الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لا ترى في برنامج إيران ما يشكل خطرا.
سجل تقرير الاستخبارات الأميركية، نقطة لصالح إيران، وأحرج الساعين إلى عزل طهران وتشديد العقوبات عليها، وأعطى أصدقاء إيران دفعة للوقوف إلى جانبها على أرضية أكثر صلابة، لكن كل ذلك لا يعطي الإيرانيين ، سوى فرصة لالتقاط الأنفاس في معركة طويلة مع من يسعون لتبديد طاقاتها وإخراجها من المعادلة الإقليمية لصالح إسرائيل في النهاية.