في الوقت الذي كان الكثيرون يتوقعون أن ينتهز الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الفرصة الاستثنائية التي وفرها له قادة الخليج العرب بدعوته لحضور افتتاح قمتهم في الدوحة ليطلق مبادرة شجاعة تعالج مناطق التوتر في العلاقة بين الجانبين، وتحقق مصالحة تاريخية تقلب موازين القوى، وتفتح الباب لتعاون يقوم على الثقة والاطمئنان..

جاءت المفاجأة الحقيقية من حيث لم يكن أحد يتوقعها، حين تزامن خطاب الرئيس الإيراني في الدوحة مع الإعلان عن تقرير للمخابرات الأميركية يعترف بأن إيران أوقفت تطوير برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003، وأنها باتت اقل تصميماً على إنتاج أسلحة نووية.

وبينما كان الرئيس الإيراني يتجاهل في خطابه أمام قمة الدوحة القضايا الجوهرية التي كان العرب ينتظرون مبادرة بشأنها، كان التقرير القنبلة الذي أطلقته المخابرات الأميركية يجبر الرئيس الأميركي على الظهور في مؤتمر صحافي تزامن مع اختتام قمة الدوحة،

ليحاول الدفاع عن سياسته تجاه إيران، وليقول إنه مازال يعتقد أن إيران كانت خطراً، وهي الآن خطر، وستظل خطراً في المستقبل ما لم تخضع للشروط الأميركية، ولا تكتفي فقط بإيقاف برنامجها النووي، بل توقف أيضا السعي لامتلاك المعرفة التي قد تمكنها من استئناف هذا البرنامج حين تريد، معتبراً أن المعرفة ـ هي مثل الأسلحة بالنسبة له ـ تمثل خطراً لا يجب السماح به!!

يستوقف النظر ـ أولا ـ أن تقرير المخابرات كان على مكتب الرئيس الأميركي قبل أسبوع على الأقل من الإفصاح عنه كما قيل، ويبدو أن التأخير في الإعلان عنه كان مرتبطاً بمؤتمر «أنا بوليس» التي كان زعماء إسرائيل (وفي مقدمتهم شيمون بيريز واولمرت وليفني وباراك) يبررون احتفالهم به على أنه دليل على نجاح الملف الأميركي ـ الإسرائيلي في تسويق فكرة أن إيران هي الخطر الحقيقي وليس إسرائيل، وبيعها للعرب !!

ويستوقف النظر ـ ثانيا ـ أن ارتباك الإدارة الأميركية في التعامل مع تقرير المخابرات يثير تساؤلا مهماً وهو: هل يأتي التقرير ليجهض ضربة أميركية أو إسرائيلية تم إعدادها ويعارضها العسكريون الأميركيون؟

أم يأتي لتبرير الانقلاب في السياسة الأميركية تجاه إيران وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً والذي بدأت بوادره خلال الشهرين الماضيين، ويتبلور الآن في تعاون وثيق بين البلدين في العراق، وفي تراجع التشدد الأميركي في لبنان والاتجاه نحو تسوية الموقف هناك، وفي التغير اللافت تجاه سوريا بعد فترة عصيبة في علاقاتها مع كل من واشنطن وباريس؟!

أيا كان الأمر فنحن أمام تطور كبير أرجو أن يحسن العرب التعامل معه حتى لا يكون على حسابهم. فالأمر المؤكد الآن، ومهما قال الرئيس بوش، فإن الحرب على إيران أصبحت مستبعدة، بل أصبح الرئيس الأميركي مطالباً بتفسير سياسته في السنوات الماضية للرأي العام الأميركي قبل أن يدفع حزبه الثمن كاملاً في الانتخابات القادمة.

ورغم كل الحديث الملتوي عن الخطر الذي كان والذي سيظل، فإن الإدارة الأميركية ستكون مطالبة بجهد كبير لكي تبقى على شيء من المصداقية التي كانت قد تآكلت بسلسلة الأكاذيب التي ساقت بها الجيش الأميركي وحلفاءه إلى حرب العراق، وأرادت أن تكرر الأمر مع إيران.

ولا اعرف ماذا ستقول «صديقتنا» العزيزة كوندوليزا رايس في تبرير هجومها المتوالي على رئيس وكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي حين قال في تقاريره نفس ما تؤكده المخابرات الأميركية الآن؟

الحرب مستبعدة.. وهذا خبر طيب لنا جميعا لأننا كنا سنكون أول ضحاياها؟ ولكن على الجانب الآخر فإن لعبة الشد والجذب بين الطرفين مستمرة.. وكل طرف سوف يسعى لتعظيم مكاسبه أو تقليل خسائره بكل الوسائل. والمصالح بين الطرفين ليست متطابقة، ولكن التعاون بينهما في العراق وغيرها يفتح الباب على كل الاحتمالات.

وقد نبهنا مراراً أن الصدام بينهما ليس حتمياً، وأن الولايات المتحدة يهمها وجود إيران قوية بشرط أن تكون حليفاً أو شريكاً، وإيران من جانبها تعرف أنها اكبر المستفيدين من أخطاء الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وفي المنطقة كلها، وتريد الحفاظ على ما تحقق لها من مكاسب وترجمتها إلى نفوذ دائم يضمن لها أن تكون قوة إقليمية كبرى خاصة إذا استمرت حالة الضعف العربي على حالها.

واشنطن تقوم الآن بترتيب الأوضاع المستقبلية في العراق ومن خلال معاهدة استراتيجية طويلة المدى بدأت التفاوض مع حكومة المالكي بشأنها، بحيث تضمن لها وجوداً عسكريا دائماً ومستقراً وهيمنة على البترول العراقي .

والتفاوض قائم والترتيبات لابد أن تتجاوز العراق إلى باقي المنطقة التي تشهد تطورات بالغة الأهمية للطرفين، لعل أهمها في الفترة الأخيرة هي الأوضاع في باكستان، وما يمكن أن تمثله من خطورة. ولعل هذا العامل بالذات كان في مقدمة العوامل التي دفعت واشنطن لمراجعة سياستها تجاه طهران.

وإذا كانت التقديرات كلها تصب في صالح ابتعاد خطر حرب جديدة تشنها أميركا على إيران، وإذا كان التفاوض (بمعناه الواسع) سيمتد بين الطرفين باستخدام كل منهما لمختلف وسائل الضغط والإغراء، وإذا كان كل طرف سيسعي وراء تامين مصالحه، فإن السؤال حول المصالح العربية سيظل مطروحاً يبحث عن إجابة في ظل ظروف ليست بالسهلة على وجه الإطلاق:

فهناك الخلل في موازين القوى الذي أحدثه تدمير العراق، ونجاح إيران في استغلال ذلك لتقوية نفوذها ومده إلى مناطق ما كان يمتد لها لولا غياب الفعل العربي. وهناك الوجود الأجنبي (وخاصة الأميركي) في العراق وباقي المنطقة،

وما يرافقه من مشاعر معادية بسبب ما تم من جرائم في حق العراق، وبسبب انحياز دائم للعدو الإسرائيلي، بسبب حصار الجوع للشعب الفلسطيني، وبسبب سياسات خاطئة على طول الوطن العربي.

وهناك ما يجري في باكستان وانعكاساته على المنطقة وعلى السياسة الأميركية التي تستعد لأسوأ الظروف، وهي تدرك ان معركتها في باكستان ليست فقط ضد تشدد تخشى ان يتسلح بالقنابل النووية، ولكنها جزء هام ورئيسي في معركة المستقبل التي تستعد لها ضد منافسيها القادمين في آسيا وأولهم وأهمهم الصين بكل تحدياتها.

وما يجري في باكستان يرتبط بالطبع بما يدور في افغاستان حيث الفشل الأميركي وتورط قوات حلف الأطلنطي وسقوط جزء كبير من البلاد تحت سيطرة «طالبان» وهي العدو المشترك لأميركا ولإيران التي كان لتعاونهما في بداية الحرب الأميركية في أفغانستان الأثر الكبير في تراجع «طالبان» التي تحتاج مواجهتها الآن مرة أخرى إلى تعاون إيران وحشد قوى باكستان قبل تعزيز قوات الأطلنطي هناك .

وتهدئة الوضع بين واشنطن وطهران والتي بدأت قبل شهور، يعني الكثير بالنسبة لهذه الملفات كلها وبالنسبة للمنطقة وبالنسبة لنا، فواشنطن تستطيع المضي قدماً في مخططاتها لتسوية الوضع في العراق بما يضمن لها تحقيق أهدافها في وجود عسكري دائم ومستقر وفي هيمنة على البترول العراقي.

وعلى الجانب الآخر يعطيها الفرصة لحشد جهودها لمنع الوضع من التدهور المخيف في باكستان، ولتوجيه ضربة قوية لطالبان واستعادة زمام المبادرة في أفغانستان وهو أمر يحتاج لمساعدة طهران وإسلام أباد معاً.

وتهدئة الوضع بين واشنطن وطهران سوف تعزز التفاهم مع دمشق لإنهاء المواجهة في لبنان، ولتعزيز التعاون في الملف العراقي، ولمنح الفرصة لمخططات واشنطن في الملف الفلسطيني والتي لن تزيد نتائجها ـ إذا نجحت ـ عن تطبيق خارطة الطريق تمهيداً لاحتفال جديد بإطلاق جديد لمفاوضات جديدة تعيد المسرحية من بدايتها!!

وتهدئة الوضع بين واشنطن وطهران، هو أمر لابد من الترحيب به لأن البديل كان حرباً تمثل كارثة لنا وللعالم، ولأنه يعطينا الفرصة (التي لا ينبغي ان تضيع كالعادة) لكي ندرك ان الغياب العربي هو الذي أتاح للولايات المتحدة ان تفعل ما فعلته بشعوبنا العربية من العراق إلى فلسطين وإلى لبنان وإلى السودان..الخ، وهو الذي أتاح لإيران ان تمد نفوذها من العراق إلى غزة، وهو الذي يجعلنا ندفع ثمن الحروب التي تقتل أبناءنا، وثمن المصالحات التي تتم على حسابنا.

والغياب العربي هو الذي يجعلنا نقف متفرجين ومستقبل العراق يحسمه التفاوض بين إيران وأميركا، وهو الذي يجعلنا نذهب إلى «أنا بوليس» ونحن نعرف اننا مجرد متفرجين على مسرحية معادة، وهو الذي يجعل مصير لبنان رهناً بقرارات الخارج لا بتسويات الداخل..

وهو الذي يجعل ـ على الناحية الأخرى ـ الرئيس الإيراني لا ينتهز فرصة تواجده في الدوحة لتقديم المبادرات في الملفات الأساسية المعلقة مع العرب، بل يكتفي بالحديث عن التعاون في مجالات الاستثمار والدعوة للسياحة النزيهة(!!)

والغياب العربي هو الذي يطرح علينا الآن وغدا نفس الأسئلة آملين أن نملك الشجاعة للبحث عن الإجابة الآن كل تأخير يعقد الأمور علينا. فمن حقنا ان نرتاح لابتعاد شبح الحرب ولو مؤقتاً عن رؤوسنا، ومن واجبنا ان نسعى لإقامة أوثق العلاقات مع الجميع،

وللتعاون المشترك مع إيران باعتبارها جارة مسلمة وقوة إقليمية يحقق التعاون معها المصالح للطرفين، ولكن من حقنا ان نتساءل: هل يستمر الغياب العربي؟ وهل سيتم التسليم بموازين القوى الجديدة في المنطقة؟ وإذا كان لابد من السعي لتنمية قوانا الذاتية وتعديل هذه الموازين المختلة.. فهل الأجدى ان يتم ذلك بالتحالف مع القوى الكبرى أم بالتضامن مع القوى العربية؟!

وتبقي نقطة هامة لابد من التوقف عندها . فرغم الصراع الممتد منذ سنوات بين طهران وواشنطن، وهو صراع سوف يستمر لسنوات حتى يتم حسمه، وان ابتعد شبح الحرب وبقيت الوسائل الأخرى في هذه المرحلة، إلا ان علينا ان نضع في الاعتبار ان الوضع النهائي الذي يرجوه الكثيرون من أصحاب القرار هو الوضع الذي يكون فيه الخليج العربي بعيداً عن أمته العربية ومفصولاً عنها!

والوعي بهذه الحقيقة هو الذي يضع أقدامنا على بداية الطريق الصحيح لتحقيق أمن الخليج باعتباره جزءاً من أمن عربي أوسع. وساعتها سيكون التعاون المشترك مع إيران أقوى وانفع للجميع، لأنه سيتم في ظل موازين قوى تؤمن مصالح الجميع. وساعتها سيكون الأمن العربي (اقتصاديا واجتماعا وعسكريا) هو مسؤولية أبنائه . وبدون ذلك سنظل ندفع ثمن الحرب إذا قامت وثمن المصالحات إذا تمت.. وما أفدح الأثمان في منطقتنا!!

كاتب صحافي مصري