عقد قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأسبوع الماضي اجتماعات قمتهم الثامنة والعشرين في العاصمة القطرية الدوحة وبمشاركة رفيعة المستوى من جميع القيادات الخليجية.
وكان من أبرز سمات تلك القمة مشاركة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في اجتماعات القمة وإلقاء كلمة فيها. مشاركة الرئيس الإيراني في القمة الخليجية الثامنة والعشرين هي الأولى من نوعها لرئيس إيراني، حيث لم يسبق وأن وجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية دعوة من قبل لرئيس إيراني لحضور القمم السابقة. فكانت تلك المشاركة سابقة تاريخية في حد ذاتها.
ورغم سيطرة قضايا الاقتصاد على محادثات القادة الخليجيين إلا أن الملف الإيراني المتعلق ببرنامج إيران النووي وما يجري في العراق من توغل إيراني في أمنه كان من الموضوعات السياسية الهامة في محادثات القمة؛
وكانت سخونة الملف النووي الإيراني في الفترة الراهنة هي الحافز وراء دعوة دول مجلس التعاون للرئيس الإيراني للمشاركة في قمتهم الثامنة والعشرين. لم تكن الدعوة من أجل سماع وجهة النظر الإيرانية في قضايا المنطقة الخليجية بقدر ما كانت من أجل إسماع الرئيس الإيراني وإطلاعه مباشرة على ما يحدث في اجتماعات القمة الخليجية.
فلم يكن خطابه مهما للقادة الخليجيين قدر ما كان مهما لنجاد ذاته الذي حاول إظهار إيران بصورة الطرف الساعي للتعاون وإقامة أواصر العلاقات مع الطرف الخليجي. كان الهدف الأساسي لدول الخليج العربية من دعوتها الرئيس ألإيراني للمشاركة في القمة
هو إيصال رسالتها إلى إيران بأن دول الخليج العربية عندما تؤكد على أمور متصلة بإيران كالملف النووي الإيراني وقضية الجزر الإماراتية والملف العراقي فإنها تقوم بذلك مجتمعة وعن قناعة وليس كما يعتقد الإيرانيون بأن تلك المواقف ليست قوية وغير ثابتة وقابلة للتغيير وأنها تأتي نتيجة ضغوط أميركية.
القادة الخليجيون أحسوا بخطورة المرحلة القادمة لاسيما بعد فشل المحادثات الأوروبية - الإيرانية في إقناع إيران بوقف تخصيبها لليورانيوم وبالنبرة الأميركية غير المتراجعة في مسألة المواجهة مع إيران. لذلك فدعوتهم للرئيس الإيراني كانت بمثابة تبرئة ذمتهم من ما يحاك في واشنطن وغيرها من العواصم العالمية من خطط ومداولات حول المواجهة العسكرية المرتقبة مع إيران.
دول الخليج العربية أرادت أن تقول لإيران بأن دول الخليج كافة ملتزمة بموقفها القاضي بعدم الرغبة في إدخال المنطقة في دوامة جديدة من الحروب والأزمات، وأن تحقيق السلام يتطلب تنازلات من كل الأطراف؛ وأنها أي دول الخليج العربية لن تساند أي مغامرة عسكرية جديدة ضد أية دولة في المنطقة؛
وإن حدثت المواجهة فإنه لا ذنب لدول الخليج العربية فيها لأنها عملت كل ما بوسعها من أجل تجنب المواجهة. هذا التأكيد بالطبع يهدف من قبل دول الخليج العربية إلى نزع الشكوك التي لم تتراجع عن الكثيرين في إيران بأن دول الخليج العربية ستقف مع الولايات المتحدة وتقدم لها، ولو سراً، الدعم اللوجيستي في حال ما قررت توجيه ضربة عسكرية لإيران.
فلا ننسى مثلا التهديدات التي وجهها أعضاء في البرلمان الإيراني مؤخرا للكويت بأن إيران ستهاجم الكويت إذا ما سمحت الكويت للقوات الأميركية باستخدام أراضيها لتوجيه ضربة عسكرية لإيران.
هذه الدعوة الخليجية للرئيس الإيراني للمشاركة في قمة الدوحة كانت من أجل التأكيد للطرف الإيراني بأن دول الخليج لن تقدم أي دعم ما كان للولايات المتحدة أو أي طرف آخر وأنها ستعمل على منع حدوث مثل هذه المواجهة قدر استطاعتها.
فنتيجة المشاركة الإيرانية في القمة هي الدعوة الخليجية لإيران بضرورة العمل مع دول المنطقة على تجنيب المنطقة ويلات حرب جديدة لا يحمد عقباها، وبالتالي تبرئة ذمتها مما قد يحدث لإيران من جراء تعنتها ورفضها التعاون.
فالدعوة هي محاولة خليجية أخرى لمد يد العون لإيران التي ما زالت كما يبدو لا تثق في دول المنطقة. دول الخليج العربية تحاول أن تقول لإيران بأن دول الخليج تريد الأمن والاستقرار للمنطقة ولا تريد غير ذلك،
وتأمل من إيران أن تتخذ إجراءات تعمل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وليس من أجل إثارة التوتر والخلافات فيها. صحيح أن خطاب الرئيس الإيراني كان إيجابيا بحيث إنه تطرق إلى سبل التعاون المحتمل بين دول المنطقة وإيران وابتعد عن أسلوب المواجهة والتهديد والوعيد للولايات المتحدة
لكنه لم يتحدث عن جوهر الموضوع المثير للتوتر في المنطقة ألا وهو الملف النووي، الذي وكما يبدو بأن إيران غير عازمة لتقديم تنازلات حوله على الإطلاق. دول الخليج وإن كانت متوقعة بأن لا تسمع توجها إيرانيا جديدا تجاه ملفها النووي من قبل الرئيس الإيراني
إلا أن دول المنطقة أرادت بدعوتها هذه إيصال رسالتها إلى إيران بأننا أصحاب سلام وأيدينا مفتوحة لكم من أجل إبعاد المنطقة عن ويلات الحروب، وأنه إذا ما وقعت المواجهة فإن دول الخليج ستلتزم الابتعاد عن الانخراط فيها ولن تقدم المساعدة لأي طرف ضد طرف آخر.
ويبدو أن الرسالة قد وصلت ولكن السؤال هو: هل سيوصل نجاد رسالة السلام هذه إلى إيران قيادة وشعباً أم أنه سيغيبها وكأنها لم تحدث وستستمر إيران في وعيدها وتهديدها لدول المنطقة كجزء من إستراتيجيتها الجديدة لردع الخطر العسكري الأميركي عنها؟ بالطبع أن الأيام المقبلة ستحدد لنا الإجابة عن هذا السؤال وإن كنت من الذين لا يتفاءلون كثيراً.
قسم السياسة - جامعة الإمارات