الولايات المتحدة تقول إن الحكومة السودانية تضع عقبات تحول دون تشكيل قوة عسكرية دولية ونشرها في إقليم دارفور، ويتجاوب الأمين العام للأمم المتحدة مع النغمة الأميركية قائلاً إنه يستشعر (قلقاً شديداً) لأن الحكومة السودانية «لا تفي بالتزاماتها».

ولكن بينما تقول واشنطن والأمين العام للمنظمة الدولية إن من الضرورة الملحة الإسراع بتشكيل القوة الدولية تمهيداً للإسراع بنشرها من أجل «حفظ السلام» في دارفور فإن أكاديمياً أميركياً مرموقاً هو البروفسور جيفري ساكس رئيس «معهد الأرض» بجامعة كولومبيا الأميركية يتساءل متعجباً: وهل يوجد في دارفور سلام لكي يحفظ؟!

القوى الغربية والأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون الناطق بلسان حال هذه القوى يركزون على مشروع القوة العسكرية الدولية لكي يتهربوا من المهمة الأساسية لتحقيق السلام وإقراره في دارفور وهي إنجاح العملية التفاوضية بين الحكومة السودانية ومنظمات التمرد الدارفورية، أجل..

دعت الأمانة العامة للاتحاد الأفريقي ومعها الأمانة العامة للأمم المتحدة إلى عقد مفاوضات بين الحكومة وقادة منظمات التمرد جرى الترتيب لعقدها في مدينة سرت الليبية، ولكن بينما تجاوبت الحكومة السودانية فوراً مع الدعوة وبعثت بوفد على مستوى عالٍ مسلح بتفويض كامل من الخرطوم إلى سرت

فإن الغالبية العظمى للقيادات المتمردة قاطعت العملية التفاوضية بذرائع مفتعلة وواهية، وعوضاً عن ممارسة ضغوط على هذه القيادات من قبل الحكومات الغربية فإن هذه الحكومات تعمد إلى الضغط على الحكومة السودانية لتسهيل عملية تشكيل وتجهيز القوة العسكرية الدولية،

مع ذلك فإن الجهة التي تتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى في تلكؤ تشكيل وتجهيز القوة الدولية ليست الحكومة السودانية. هذا هو معنى تصريحات قائد القوة نفسه ردولف أدادا. فهناك، وفقاً لهذه التصريحات عقبتان رئيسيتان.. وما عداهما مسائل ثانوية.

العقبة الأولى هي نقص التمويل، علماً بأن المراد للقوة هو أن تتشكل من 26 ألف عنصر، وهذه مسألة لا علاقة لها بالخرطوم، فالتمويل تعهد به الأمين العام للأمم المتحدة بجمع تبرعات من دول كبرى غربية، لكن هذه الدول ـ وفي مقدمتها الولايات المتحدة ـ لم تف بالتزاماتها حتى الآن، علماً بأن من المفروض أن يكتمل تشكيل القوة بحلول يناير المقبل.

والعقبة الثانية ذات طبيعة فنية، فالقوة كما صرح قائدها بحاجة إلى طائرات مروحية ـ على وجه التحديد ست مروحيات متتالية لتدافع القوة عن نفسها إذا دعت ضرورة، و18 طائرة مروحية نقل في إقليم تعادل مساحته مساحة فرنسا.

مرة أخرى الدول الغربية الكبرى هي التي التزمت بتوفير هذه الطائرات.. ولم تف بما وعدت، ويتساءل قائد القوة: هل من المستحيل على المجتمع الدولي توفير 24 مروحية فقط؟ ولكن لنعد إلى التساؤل الأصلي: ما هي العوامل الجذرية لمشكلة إقليم دارفور وأهله.. وهل يجوز اختزال المشكلة في عملية عسكرية بإرسال قوة دولية؟

يقول البروفسور ساكس: إن التركيز على قوة حفظ السلام ليس موفقاً، لأن الأزمة هي بالأساس مشكلة تنمية، ويقول: إن الأزمة ناتجة عن اليأس بين الفقراء الذين يعيشون في منطقة ضخمة قاحلة تفتقر إلى مقومات الحياة، ويقول البروفسور أيضاً: يمكن أن يوضع جنود حفظ سلام هناك، لكنهم لن يغيروا مثقال ذرة على الأرض، في ما يتعلق بحقائق صعوبة الحياة في دارفور.

هذه هي الحقائق الجذرية، ولو أن لدول الغرب فعلاً نواياً صادقة لمساعدة أهل دارفور لعمدوا إلى وضع وتنفيذ برامج تنموية في الإقليم، لكن يبدو أن هناك أجندة خفية لا علاقة لها على الإطلاق بإنقاذ أهل دارفور من الفقر والتخلف.