صارت لغة الرد الأميركي على الانتهاكات والتجاوزات والتحايلات الإسرائيلية، معروفة مفرداتها سلفاً. استيضاح أو استفسار. وإذا ذهبت واشنطن بعيداً فإنها لا تتجاوز العتب الخجول. وفي أقصى الحالات، التوبيخ الناعم.

حتى عندما تكون المخالفات الإسرائيلية فاقعة وتتعلق بتفاهمات وتوافقات رعتها الإدارة الأميركية؛ فان هذه الأخيرة وبالتحديد إدارة الرئيس بوش، لا تغادر هذه اللغة، التي باتت سقيمة ومملّة؛ في أحسن أحوالها.

المعزوفة هذه تتكرر اليوم. حكومة أولمرت، ذاتها التي تحدثت عن السلام في انابوليس، تقرر وبعد أيام فقط من هذا الأخير، الشروع ببناء حي جديد في مستوطنة أبو غنيم قرب القدس. الوزيرة ليفني تزعم أن هذا التوسع الاستيطاني «لا يتنافى وشروط خطة الطريق»!

كما لا يتعارض مع رسالة الرئيس بوش إلى شارون عام 2004، التي تعترف ببقاء الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة ضمن حدود إسرائيل؛ في التسوية الدائمة! «خريطة الطريق» التي أعلنت إسرائيل موتها ودفنتها، تعود إليها الآن حكومة أولمرت وتسلخ منها النصوص المجتزأة للتلطّي وراءها. كما أنها تعود إلى رسالة بوش للاستقواء بها؛ مع أنها ليست مرجعية.

على الأقل لأن الجانب الفلسطيني غير موافق على ذلك. ولذلك سارع هذا الأخير إلى رفع شكوى إلى الإدارة الأميركية، يدعوها إلى مطالبة تل أبيب بعدم تنفيذ التوسع في أبوغنيم. فاتحت الوزيرة رايس نظيرتها ليفني: خلال لقائهما في بروكسل، بالموضوع.

كالعادة استحضرت هذه الأخيرة الذرائع الواهية، التي لم تقوَ حتى حليفتها، على هضمها. لكن رايس اكتفت بالقول بان «هذا لا يساعد على بناء الثقة»! وفي واشنطن اكتفى مسؤول في الإدارة بالتعبير عن «القلق»؛ مع الإشارة إلى «عدم الرضى» عن توسيع المستوطنة!

طبعاً مثل هذه الممارسة الإسرائيلية «لا تساعد». ولا شك أنها مدعاة «للقلق». لكن اكتفاء واشنطن في كل مرة متشابهة، بمثل هذه الردود والمفردات؛ لا يساعد أيضاً. عمر هذا الخطاب الأميركي من عمر الاستيطان . هو بقي على حاله: رفع عتب، لم يقدّم ولم يؤخر.

فيما الاستيطان صار أضعافاً مضاعفة: 74 مستوطنة بحجم دويلة يهدد المستوطنون بإعلانها! فالمسألة ليست مسألة ثقة. هي عملية ابتلاع أراض؛ بكل ما ينطوي عليه ذلك من تخريب على المفاوضات وتهديد فعلي بنسفها.

لا سيما وأن قرار التوسع الاستيطاني هذا يأتي عشية انطلاق مفاوضات التسوية النهائية التي بشّر بها مؤتمر انابوليس ووعد بانجازها قبل نهاية العام المقبل. هذا ما أوصى به الرئيس بوش، مع وزيرته رايس وعاد أمس وكرره مبعوث اللجنة الرباعية، توني بلير؛ مراهناً على عزم الرئيس الأميركي ورغبته، في ترجمة فكرة الدولتين قبل مغادرته البيت الأبيض.

في نهاية المطاف، الأرض هي بيت القصيد. كل شيء دار حولها. كافة الاتفاقيات وجولات المفاوضات فشلت، لأن إسرائيل لا تنوي الانسحاب. تريد الأرض ومعها السلام والتطبيع. والاستيطان هو المفتاح، في قضية السلام هو العائق الأساسي.

وعندما تأتي حكومة أولمرت اليوم لتزيد في حجمه، فان ذلك ليس أقل من دقّ مسمار آخر؛ وقد يكون الأخير، في نعش التسوية. إذا كانت الإدارة الأميركية جادة هذه المرة ـ الشكوك كبيرة بحكم السوابق المخيبة ـ فهذه لحظة الاختبار.

أمامها سنة فقط لا غير. الوزيرة رايس عائدة، خلال الجاري، إلى المنطقة. والرئيس بوش يزمع القيام بزيارة، أوائل العام المقبل. سلام واستيطان لا يتفقان. فيروس الثاني يدمّر الأول. التأفف فقط من إسرائيل وسلوكياتها لا يطعم خبزاً. ولا أيضاً الزيارات الأميركية لوحدها. حان الوقت للانتقال من هذه المعزوفة إلى خندق الموقف والفعل لإقامة السلام.