بعد اقل من اسبوعين على انعقاد مؤتمر انابوليس للسلام بحضور وزراء خارجية ثلثي الحكومات العربية وامين عام الجامعة العربية، الى جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، اعلنت الحكومة الاسرائيلية عن خطة لبناء 300 بيت في مستوطنة جبل ابوغنيم او حار حوما قرب مدينة القدس المحتلة.

الوفد الاسرائيلي ذهب الى انابوليس متعهدا بتجميد الاستيطان، ووقف كل عمليات التوسيع للمستوطنات القائمة، او ما يسمى بـ النمو الطبيعي لها، وتحدث ايهود اولمرت عن تنازلات مؤلمة من اجل السلام، بما في ذلك تفكيك المستوطنات غير الشرعية .

وجاء هذا التعهد محاولة للتجاوب مع الشروط التي طرحتها دول عربية، على رأسها المملكة العربية السعودية، بتجميد كل انواع الاستيطان مقابل حضورها مؤتمر السلام المذكور.

ولكن يبدو ان هذا التعهد كان مجرد خدعة، وبهدف ضمان المشاركة العربية، والسعودية والاماراتية على وجه الخصوص، وهما الدولتان اللتان لم تطبعا مع الدولة العبرية.

السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية تحدثت قبل المؤتمر واثناءه عن اهمية بناء الثقة بين الجانبين العربي والاسرائيلي، ولا نعتقد ان بناء المستوطنات وتوسيعها يصب في هذه المحصلة، بل يعطي نتائج عكسية تماما، اي ينسف هذه الثقة من جذورها، ويحرج الراعي الاميركي للعملية التفاوضية التي من المفترض ان تنطلق بعد مهرجان انابوليس .

قطعا سنسمع اصواتا كثيرة، تندد بمثل هذه الخطوة الاسرائيلية وتحذر من اخطارها، سواء على لسان السيدة رايس التي قالت انها لا يمكن ان تسهم في بناء الثقة ، او بان كي مون الامين العام للامم المتحدة الذي وصفها، اي الخطوة الاسرائيلية، بانها لا تساعد عملية السلام في الشرق الاوسط .

هذا الكلام سمعناه كثيرا على مدى الستين عاما الماضية، ولم تترتب عليه اي اجراءات عملية على الارض، فلم نسمع ان الادارة الاميركية تقدمت بمشروع قرار الى مجلس الامن الدولي بفرض عقوبات على الدولة العبرية بسبب انتهاكها الفاضح للقانون الدولي، و تفاهمات انابوليس على غرار ما فعلت تجاه العراق واخيرا ايران.

واللافت ان رد فعل الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله بالضفة الغربية جاء باهتا ، فقد اكتفى المتحدث باسمها بالقول ان توسيع مستوطنة جبل ابو غنيم يتناقض كليا مع ما جري الاتفاق عليه في مؤتمر انابوليس.

مثل هذه المواقف الفلسطينية المائعة هي التي تشجع اولمرت وغيره من المسؤولين الاسرائيليين على عدم احترام اي اتفاقات يتم التوصل اليها مع الفلسطينيين حتي لو جاءت برعاية اميركية.

كنا نتوقع ان تعلن رئاسة رام الله انسحابها من المفاوضات فورا، كرد على هذا الانتهاك الاسرائيلي السافر للمبادئ الاساسية التي انعقد على اساسها مؤتمر السلام الاخير، ولكن هذه الرئاسة ستستمر في المفاوضات وعناق اولمرت، حتى لو بني مستوطنة او عدة مستوطنات اخري جديدة.

لا نشك في ان هذه الرئاسة سترفع الشكوى للسيدة رايس التي ستشد الرحال الى المنطقة في الايام القليلة المقبلة، لمتابعة الاستعدادات الفلسطينية ـ الاسرائيلية لاستئناف المفاوضات، ولن تحصل منها سوى التربيت على الظهر، والمطالبة بالصبر او المزيد منه.