ليس من المبالغة في شيء القول ان الكثيرين، سواء في لبنان او على امتداد المنطقة العربية قد تابعوا باهتمام شديد جلسة مجلس النواب اللبناني التي عقدها امس من اجل تعديل الدستور حتى يمكن السماح بانتخاب العماد ميشيل سليمان قائد الجيش اللبناني لمنصب الرئيس وبالتالي وضع حد لفراغ منصب الرئيس اللبناني الذي استمر منذ الثالث والعشرين من الشهر الماضي.

ولعل مايزيد من اهمية التئام جلسة مجلس النواب اللبناني امس، ومن ثم القيام بمناقشة تعديل الدستور اللبناني، انه كانت قد راجت بعض التسريبات باحتمال تأجيل جلسة مجلس النواب التي كان مقررا عقدها امس مرة اخرى (وهو سابع تأجيل على التوالي اذا كان قد حدث) غير ان الجهود المكثفة التي جرت على مدى الايام الاخيرة من ناحية، وتمديد وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير زيارته الى لبنان من ناحية ثانية، وعقده عدة اجتماعات مع الحريري وبري ولقاءاته مع الاطراف اللبنانية الاخرى، ساهم في الواقع في التهيئة لعقد جلسة مجلس النواب امس لتعديل المادة 49 من الدستور اللبناني تمهيدا لانتخاب العماد ميشيل سليمان رئيسا للجمهورية وانهاء ازمة انتخاب رئيس جديد للبنان.

واذا كان من المؤكد ان الاسبوعين الماضيين، منذمغادرة الرئيس اللبناني السابق اميل لحود قصر بعبدا و الفراغ في منصب الرئيس، كانا من الاوقات الصعبة، بل والحرجة بالنسبة للدولة والشعب اللبناني الشقيق بالنظر الى ان الاحتمالات كانت كلها مفتوحة، لولا الاتفاق الضمني بين الفرقاء والقوى المعنية والمؤثرة على الساحة اللبنانية على تجنب اثارة ما يدفع الى مزيد من التوتر بين القوى اللبنانية على اي نحو، فإن النجاح في التوصل الى توافق بين الاكثرية والمعارضة في لبنان لتجاوز الازمة من شأنه على الارجح ان يفتح الطريق امام تشكيل حكومة وحدة وطنية والعودة الى التئام الصف اللبناني مرة اخرى بعد الخلافات والانقسامات التي استمرت لأكثر من عام حتى الآن.

ومع التأكيد على حقيقة ان التقاء الاطراف اللبنانية والسير عمليا على طريق انتخاب رئيس جديد للجمهورية هو في جانب منه على الاقل انعكاس لنتائج عدة تحركات اقليمية ودولية، تمتد من مؤتمر انابوليس للسلام الذي عقد اواخر الشهر الماضي بمشاركة سوريا، مرورا بالتهدئة النسبية لاعمال العنف في العراق التي تحدث عنها وزير الدفاع الاميركي جيتس، وصولا الى تقرير المخابرات الاميركية حول وقف ايران لبرنامجها النووي العسكري منذ عام 2003 والذي صدر قبل ايام قليلة.

فانه من المهم والضروري متابعة السير على هذا الطريق من اجل تأمين خروج لبنان من الازمة التي يعيشها منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري في فبراير من عام .2004 والتهيئة ايضا لاستعادة الحوار الوطني اللبناني لحل مختلف المشكلات والخلافات بين الاكثرية والمعارضة على نحو يجنب الشعب اللبناني مخاطر الانقسام السياسي وتعطيل اجهزة الدولة وعدم قدرتها على اداء دورها.

واذا كان الجيش اللبناني قد استطاع القيام بدوره الوطني في الحفاظ على الامن والاستقرار في لبنان في ظل الظروف الصعبة التي مر بها، فإن مصلحة لبنان تفرض العناية بالجيش اللبناني والحرص على تطويره وتمكينه من القيام بدوره الوطني والحفاظ عليه ايضا بعيدا عن دائرة الصراع والتنافس بين القوى السياسية اللبنانية المختلفة، خاصة وانه ثبتت اهمية ذلك خلال الازمة الاخيرة. اما اطالة الازمة، لأي اسباب وبأية حجج لهذا الطرف او ذاك، فانه يضر بالتأكيد بحاضر لبنان ومستقبله.