للعلاقات الإفريقية الأوروبية وجهان متناقضان, أولهما: ذلك الوجه الاستعماري القبيح, عندما احتلت أوروبا قارتنا السمراء لمئات السنين, مما أدي إلى انتشار التخلف والجهل, وتم تقسيم القارة من خلال حدود مصطنعة الي دويلات لاتعبر عن التمثيل الحقيقي لسكانها, وهو التقسيم الذي تسبب في كل النزاعات المسلحة الناشبة حاليا.
وأما الوجه الآخر: فهو ذلك الوجه الحضاري المشرق, حيث تقدم أوروبا مثالا حضاريا يحتذى في جميع المجالات, إن أوروبا هي الديمقراطية وتداول السلطة والتعدد والحرية والليبرالية والنجاح الاقتصادي والمساواة والشفافية..وغير ذلك من كل ماهو متقدم وحضاري وحديث.
وبين الوجهين( الغضب من ممارسات الماضي والأمل في مساعدات المستقبل) تقف شعوب القارة حائرة..هل تحب أم تكره؟ وفي ظل هذا الاحساس المتضارب تتابع هذه الشعوب القمة التي تعقد اليوم في العاصمة البرتغالية لشبونة بحضور نحو80 زعيم دولة إفريقية وأوروبية, بينهم الرئيس حسني مبارك.
وبطبيعة الحال فإن لكلا الطرفين( الأفارقة والأوروبيين) أجندته الخاصة به وتصوراته وتوقعه من هذه القمة, وسيكون مطلوبا من الزعماء الوصول معا الى صيغ واقعية وعملية لحل مشكلات افريقيا, يقبلها الأوروبيون والأفارقة معا, وعلي سبيل المثال فإن من أهم مطالب الأفارقة إلغاء الديون المستحقة عليهم للدول الأوروبية مما يؤدي الى توفير مئات المليارات من الدولارات تستفيد منها إقتصاديات الدول الافريقية في تنفيذ عمليات التنمية.
إلا أن للأوروبيين وجهة نظر مختلفة تري أن إلغاء الديون لن يحقق أي شيء مالم تدخل هذه الدول الافريقية تعديلات جوهرية على أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتيح تحقيق الشفافية في استخدام الاموال العامة, ويتساءل الأوروبيون: ماجدوى أن أعفيك من أموال مستحقة لى عليك طالما أنت ستبددها بفسادك وسوء إدارتك الاقتصادية؟
ومن المطالب الأخرى للأفارقة فتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الافريقية وإلغاء القيود حتي يمكن للسلع والمنتجات الافريقية الدخول الى تلك الأسواق, وهنا يرد الأوروبيون بأن على الأفارقة تجويد منتجاتهم وتحسين كفاءتها قبل إدخالها الى أسواقهم والا فلن يشتريها أحد! كذلك فإن للأوروبيين منطقهم الخاص بتقديم المعونات والمساعدات والهبات بينما يرى الأفارقة أن هذه الشروط التي يضعها الأوروبيون تحول دون انطلاق خطط التنمية, ويطالبون بتحفيف هذه الشروط.
وعلى صعيد آخر فإن موضوع هجرة الأفارقة الى البلدان الأوروبية, والتي يرى فيها الأوروبيون هجرة غير شرعية هو من بين الموضوعات التي يثور بشأنها جدل كبير بين الطرفين, حيث يطالب الأوروبيون بضرورة الحد من هذه الهجرة لما لها من تأثيرات سلبية على مجتمعاتهم, بينما يري الأفارقة ضرورة السماح بهجرة البعض منهم الى أوروبا كنوع من التعويض المادي والمعنوي عما لحق بهم من أضرار على أيدي المستعمرين البيض.
ثم تأتي القضايا الثقافية فيما يسمى بصراع الحضارات والخلافات الثقافية بين الجانبين, وهنا فإن الافارقة يطالبون بضرورة أن تعترف لهم أوروبا بحق التنوع والاختلاف عنها, وأن تعامل عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم باحترام وألا يتم فرض أنماط جاهزة معدة سلفا في أوروبا عليهم, سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
ومن ثم فإن جدول أعمال قمة لشبونه اليوم يحفل بالعديد من القضايا, ومن المعروف أن مصر لها تصورها الرائد في حل هذه القضايا والمشكلات, وهو ماسوف تعكسه كلمة الرئيس مبارك المهمة اليوم أمام القمة, ويبقي التذكير بأن حكماء القارة السمراء وزعماءها الكبار عليهم مهمة ضخمة في إيصال صوت افريقيا الى الجانب الآخر من المتوسط, وهو ماستشهده قمة لشبونة اليوم وغدا.
