بؤر الصراع متعددة وكثيرة، بعضها نائمة، وأخرى شبه مستيقظة، وثالثة تتحرك ببطء والساخنة منها هي جالبة الحروب والصدامات، وقد تستغرب كيف أن شبه القارة الهندية، والتي انفصلت عنها باكستان ثم بنجلاديش، تستعر النيران بين الجارين إلى حد التسلح النووي، بينما الآثار التي حملت مآسي الحروب بين اليابان، والاتحاد السوفييتي ثم الآن روسيا التي أبقت على احتلال جزر يابانية، بقيت قيد التفاوض، شأن خلافات الصين مع أوروبا التي حررت دبلوماسياً مكاو، وهونج كونج، ولا تزال تحاول التفاهم مع الصين الوطنية (فرموزا) على الاندماج..
استطاعت الألمانيتان الاندماج، وتسعى الكوريتان لنفس الغرض، والنماذج كثيرة في حلول المسائل الشائكة، لكنها في المصالحات عند المسلمين والعرب إشكال دائم وثابت في جدول أعمالهم وحتى مشاعرهم..
فالجزائر والمغرب تتقاطعان على مسألة الصحراء المغربية، وقضايا المشرق أكثر من شائكة حروب شبه أهلية، وعداوات لأسباب غير منطقية، ومع ذلك نجد أن انعقاد القمم بأشكالها الثنائية، والجماعية، لا تطرح المصالحات كهدف أو تزيل عوامل التشكيك والثقة المقطوعة، وعندما مر أكثر من نصف قرن على من خرج من الاستعمار أو توحد بعمل بطولي، أو تنافر واختلت وحدته الوطنية بفعل مذهبي، أو حزبي أو لاءات أخرى، لا نجد في الأفق شكلاً ما من تجمع اقتصادي مثلاً لا تدخل فيه السياسة، أو تخنقه الرغبات الذاتية والإقليمية..
أين نسير، وكيف تتجه بوصلتنا، وهل يأتي الإنقاذ عندما تعلن كل دولة محكمة مع النفس تراجع فيها مواقفها في الداخل والنطاق العربي والإسلامي، وتسوية قضاياها مع العالم الخارجي، لتتواصل مع محيطها لا بالرغبة النفعية فقط، وإنما بالمصير المعلق الواحد على تأمين الذات أم تآكلها وهزيمتها؟..
كثيرون يعتقدون أن إعلان قراءات نقدية لحالنا العربية، يعتبر جلداً للذات لأن غيرنا لديه نفس الاشكالات، لكن ينسون أن النقد الوسيلة للوصول إلى الحلول، وقد انتصر العقل زمن الحرب الباردة بأن لا يكون هناك ضربة نووية استباقية حتى لا يشتعل العالم بأسلحة الدمار الشامل وعندما انفصل التشيك مع السلوفاك، لم تقم حرب كما جرى بين الضفة والقطاع وحتى تيمور الشرقية انفصلت برضا اندونيسيا، لكن التفاهم بقي عامل نجاح فكانت المصالحات تجري وفق مفهوم مكاسب الجميع..
لست متشائماً من المستقبل العربي، لأن الثورة البيضاء للاتصالات وعولمة كل شيء، الثقافة والاقتصاد والسياسة وتبادل المعلومات التي أتاحتها التقنيات المعاصرة، هي وسيلة التحدي والحل، وقد تطول المسافات، لكن الأفق يبقى مفتوحاً للاحتمالات الحاسمة في التغيير..
