مع التأجيل السابع لجلسة انتخاب رئيس لبناني جديد أمس، رغم اتفاق كل الكتل والتيارات من معارضة وموالاة على اسم الجنرال ميشال سليمان كمرشح وحيد. يبرز حجم التعقيدات والتدخلات الخارجية في الشأن اللبناني الداخلي، وهو تدخل ـ للأسف ـ تحت بصر وبموافقة معظم الأطراف الداخلية، سواء لجهة الولاءات والارتباطات، أو لجهة الثارات أو تصفية الحسابات الإقليمية والدولية، أو لجهة المناكفات الحزبية، وتجذر الأنانيات والذاتيات الشخصية والحزبية، وتغليبها على مصلحة الوطن.

وتثير هذه المماحكة والتأجيلات المتتالية قضية استقلال القرار الوطني، وضرورة تجديد وترسيخ آليات صونه وتحصينه ضد عمليات الاختراق الأجنبي، وإعلاء المصلحة الوطنية وتغليبها على المصالح الحزبية الضيقة.

والحاصل، أن إثارة هذه القضية، لا تصادر على حق كل الأطراف اللبنانية في أن نشيد بحرصها الشديد حتى الآن على صون السلم والأمن الأهليين، ووضع خطوط حمراء تمنع انزلاق الخلافات على تسمية وانتخاب رئيس جديد لملء الفراغ الناجم عن انتهاء ولاية الرئيس السابق إميل لحود، إلى صراعات مفتوحة في الشارع. ومرجع هذا الحرص أن كل الأطراف ذاقت مرارة الاقتتال في حقبتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، والتي مازال كثيرون يسددون ضريبتها، حتى الآن.

على أن أهم الدروس الغائبة عن مداولات انتخاب رئيس جديد، وضع خطوط حمراء تمنع أي تدخل أجنبي، وجعل مواصفات الرئيس صناعة لبنانية خالصة، تستجيب لرأي الشارع اللبناني، الذي يعاني من تداعيات الفراغ الرئاسي والأزمة الاقتصادية، والتناحر الحزبي.

يضاف إلى ذلك ضرورة أن يستجيب الأخوة المتنازعون إلى نداء يحلق في أفق لبنان بان أي تدخل أجنبي في انتخاب الرئيس يعني خلق ثغرات لن يتمكن أحد من سدها، تهدد مستقبل واستقلال لبنان.

والشاهد أن هناك أطرافاً دولية تتدخل في عملية الانتخاب من وراء ستار، فقط لتهيئة الأجواء لتمرير مصالحها التي هي بالتأكيد ليست متطابقة تماما مع مصلحة لبنان الوطنية العليا، وأوضح مثال على ذلك، أن إسرائيل منذ قيامها تتمسك بضرورة تقسيم لبنان وخلق دويلات طائفية، توفر لها المبرر الجيواستراتيجي لوجودها ككيان عنصري طائفي.

وتجيء هذه التدخلات الدولية، لتخلط الأوراق، مع كون استقلال القرار اللبناني شأناً ومصلحة عربية تهم كل الدول العربية، وهو الأمر الذي ظهر في الجولات المكوكية لأمين جامعة الدول العربية عمرو موسى والسفيرين السعودي والمصري، وسعيهم الدؤوب إلى تقريب وجهات النظر بين فريقي المعارضة والموالاة، من أجل إنقاذ لبنان العزيز على كل العرب، واستعادته لدوره كمنارة ثقافية وواجهة حضارية. تتدفق من مطابعه ثمار الإبداع الفكري والأدبي التي يقرأها العرب في كل الأقطار.

والمطلوب الآن من الأطراف اللبنانية، العودة إلى تراث الوحدة الوطنية وإحيائه، ذلك التراث الذي أسهم في احتضان المقاومة وتمكينها من انتزاع النصر مرتين في أقل من عشر سنوات، وليس مستحيلا أن تتوحد الصفوف في السلم كما توحدت خلال المقاومة.

وبعد أن يتوافق اللبنانيون يوم الثلاثاء المقبل على رئيس جديد، يجب أن يعود الجميع إلى طاولة الحوار الوطني، ويطرحوا خلف ظهورهم عذابات فترة الخلاف حول تسمية رئيس أو المحكمة الدولية أو تشكيل حكومة وحدة، وان يكون منهجهم في هذا الحوار هو نبذ الحزبية وإعلاء الصالح الوطني العام، من أجل تحصين استقلال لبنان وفتح بوابة الأمل في مستقبل أفضل.