أحداث خطيرة عاشتها ضواحي العاصمة الفرنسية باريس عندما أقدم المئات من الشباب على حرق السيارات والممتلكات العامة والخاصة احتجاجا على مقتل شابين من الجنسية المغاربية.
ومع أن السلطات الفرنسية حاولت التقليل من خطورة الوضع الأمني في تلك المناطق الفقيرة التي يقطنها الغالبية من الجنسيات المغاربية والتي تطالب منذ سنوات بتحسين معيشتها ومساواتها كبقية المواطنين الفرنسيين.
إلا أن الحوادث تطرح تساؤلات عن سبب رفض السلطات الفرنسية النظر في مطالب هؤلاء الشباب المشروعة مع أن ذات الأحداث كانت العاصمة الفرنسية عاشتها عام 2005 وكان الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي وقتها على رأس وزارة الداخلية وظلت الوعود تراوح مكانها بل استغلت ورقة شباب الضواحي في الحملات الانتخابية لكل من نيكولا ساركوزي وسيغولين روايال.
لكن يظهر ان الرئيس الفرنسي قد أدار ظهره لهذه الفئة رافضا النظر في مطالبها بل تنصل من وعوده الانتخابية وراح يصف من أقدم على أعمال الشغب بالرعاة الذين يتوجب تقديمهم إلى العدالة.
والأكثر من ذلك كله أن الرئيس الفرنسي في وضع صعب للغاية فهو إلى اليوم لم يستطع أن يكسب قلوب الفرنسيين الذين فوجئوا به يدير ظهره لمطالبهم وراح يرمي بثقله في معالجة المشكلات الدولية ويوليها اهتماما حير الشارع الفرنسي.
آخر عملية سبر للرأي في فرنسا تقول إن الرئيس الفرنسي فقد 50% من شعبيته والرقم بالمقاييس السياسية يعني أن الشارع الفرنسي غير راض عن أداء رئيسه، المطالب بمعالجة أوضاع الآلاف من عمال المصنع والميترو وتكاد فرنسا تختنق من كثرة الإضرابات العمالية المرشحة للتزايد خلال الأسابيع المقبلة في حال ما إذا أصرت الحكومة على رفض السماع لمطالبهم.
وإذا علمنا أن أكثر من 80% من الشباب (خصوصا من الجنسيات المغاربية) عاطلون عن العمل ويقطنون في مناطق تفتقد إلى ابسط الحياة المدنية فضلا عن تعرضهم للعنصرية التي بدأت تتفشى في الأوساط الفرنسية ووصلت إلى مراكز الشرطة تغذيها النعرات العنصرية لليمين المتطرف الذي يقوده جان ماري لوبين والذي يطالب بطرد العرب بدافع مزاحمتهم الفرنسيين في لقمة العيش.
هذا وتطرح التحديات والرهانات الاجتماعية الداخلية الخطيرة والتي أدارت الحكومة الفرنسية لها ظهرها تساؤلا محيرا:لماذا الإصرار على رفض معالجة مشكلات الشباب والهجرة؟
الجواب نقرأه في تصريحات الرئيس الفرنسي عندما كان وزيرا للداخلية وقتها قال إن فرنسا لم تعد قادرة على استيعاب الملايين من العرب الذين يطالبون بتسوية أوضاعهم وإدماجهم في المجتمع الفرنسي، ويعني فيما يعنيه من تصريحه هذا أن العرب لا مكان لهم في المجتمع الفرنسي.
وتناسى الرئيس الفرنسي أن الجنسيات المغاربية هي التي حملت عبء بناء البنية التحتية بعد الحرب العالمية الثانية ولا تزال تؤدي واجبها، ألا يحق لهؤلاء العرب أن ينالوا أبسط حقوقهم؟ ألم تبنى الجمهورية الخامسة على مبادئ العدالة والحرية والمساواة؟!
من واجب الرئيس الفرنسي أن يفي بوعوده التي قطعها في الانتخابات الرئاسية عندما وعد أوساط الشباب المغاربي بحل مشكلاتهم بمجرد وصوله إلى قصر الإليزيه لكن هاهو يصفهم بالرعاة بعد أن نال أصواتهم، فكان من الأجدر به أن يستمع إلى أصواتهم بدل الانغماس الكامل في الملفات الدولية والبحث عن أدوار مميزة له في الإدارة الدولية والتقرب من الولايات المتحدة الأميركية.
كل ذلك إنما على حساب التحديات الداخلية التي يظهر سوف تتفاقم أكثر وتتحول إلى قنابل موقوتة قد تخلط أوراقه وتعرض مستقبله السياسي إلى خطر حقيقي.
هذا إذا قلنا أن أوساط المعارضة بدأت تحشد صفوفها وفئات العمال للنظر فيما يمكن اتخاذه من خطوات تعيد هيبة الجمهورية ومكانة الرئيس الفعلي الذي يجب أن يكون في أوساط المجتمع يستمع إلى انشغالاتهم لا أن يدير ظهره لهم ويتوعد بمعاقبة من يتسبب في الفوضى بإلقائه في السجن، فعهد الحكومات البوليسية ولى ولا ينفع إلا الحوار والتعقل وسماع الرأي الصواب احتراما لمبادئ فرنسا السامية.