بعد شد وجذب وتصعيد وتهدئة ومن ثم مرحلة «راوح مكانك» مع فراغ منصب رئيس الجمهورية اللبنانية دون انتخاب خلف له، تم التوافق أخيرا على اسم الرئيس المقبل العماد ميشال سليمان. ليتبين في النهاية أن العقدة لم تكن في الرئاسة وهي أبعد من مجرد توافق على اسم الرئيس، فالمطلوب تسوية حزمة تفاهمات وضمانات سبق أن طالبت بها قوى مركزية في الحياة السياسية اللبنانية، منها رئاسة الحكومة وهيكليتها وحقائبها السيادية، وقيادة الجيش، والبيان الوزاري، وتوزيع المناصب الأمنية الحساسة.
انتخابات رئاسة الجمهورية وضعت على السكة، فهل ستتم قبل أن ينشر هذا المقال، أم أن الأمور تحتاج الى المزيد من الوقت ريثما تتقلص الخلافات الداخلية وتتعزز الاتفاقات الخارجية؟ والمقابل المطروح انفتاح على الفراغ الدستوري بأبعاده مجهولة النتائج!
فقد وافقت الأكثرية النيابية في نهاية المطاف على العماد سليمان، علما ان تنصيبه يتطلب تعديلا في الدستور وهو ما كانت تكرر رفضها له، ناهيك عن واقع وجود معارضة في صفوفها لتنصيب عسكري رئيسا للجمهورية.
إشارات إقليمية ودولية كانت تدفع بهذا الاتجاه، انعكست في انخفاض وتيرة وحدة خطابات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعد زيارته إلى الولايات المتحدة، وهو ما ظهر في تصريحاته والسفير الأميركي فيلدمان التي تضمنت سحب سلاح حزب الله من المداولات الحالية وتأجيل تنفيذ القرارات الدولية. تبع هذه التحولات حضور سوريا مؤتمر أنابوليس الذي وجد فيه البعض دليل تفاهم على لبنان، ثم انفتاح من الدول الأوروبية عليها لتمرير الاستحقاق الرئاسي اللبناني.
ما يشير الى تحسن ملموس في علاقات دمشق بباريس وواشنطن. يضاف الى ذلك مشاهد التقارب السعودي الإيراني وتراجع احتمال توجيه ضربة الى إيران بعد نشر وكالة الاستخبارات الأميركية تقريرها الأخير.
كان لتمرير فراغ الموقع الرئاسي بسلام دون أن تقدم الأكثرية على انتخاب رئيس بنصف زائد واحد، مؤشرا على بداية تنازل ما، ذلك ان إجراء نصاب ناقص لم يلق تشجيعا من الأطراف الدولية والإقليمية في ظل تخوف من تطورات أمنية قد تقود البلاد إلى المجهول.
فمعارك نهر البارد لم يمض عليها بضعة أشهر، وهناك احتقان في المخيمات الفلسطينية في ظل تداعيات مؤتمر انابوليس، والتقارير تشير الى تنام للأحزاب السلفية وتداعيات ذلك على قوات اليونيفل في الجنوب.
تم التوافق على الاسم في الخارج قبل أن يصل الى الأطراف المحلية، وعندما جرى اختياره كانت العيون موجهة على العماد ميشال عون. فالجنرال عون الذي انتخبته جماهيره لتأمين صعوده الى سدة الرئاسة، والذي فوضته المعارضة بحق القبول أو الاعتراض على اسم الرئيس، لا يستطيع ان يرفض ابن المؤسسة العسكرية نفسها التي ما برح يدافع عنها وعن رموزها منذ عودته إلى لبنان.
وما كاد التوافق الداخلي يتعزز حتى بدأ وزير خارجية ايطاليا ماسيمو داليما بتهنئة الأوروبيين وتقليدهم نياشين بأنهم أول من طرح اسم العماد سليمان، ربما لحاجتهم الماسة الى الخروج بانجاز بعد إخفاقات دبلوماسية متكررة.
لكن سرعان ما تبين أن هذا الانتخاب دونه عقبات داخلية. فهناك آلية تعديل المادة 49 من الدستور، ثم إن شخص الرئيس على الرغم من أهميته بالنسبة لحزب الله كما عبر عن ذلك زعيمه في أحد خطاباته ليس كافيا للموافقة.
وهناك توضيحات من أطراف المعارضة حملها رئيس مجلس النواب، نبيه بري، على شكل تساؤلات لكوشنير تتعلق برئاسة مجلس الوزراء وتوزيع الحقائب الحكومية بالإضافة الى قانون الانتخاب المقبل. ثم هناك في المرحلة المقبلة إعادة الحوار مع دمشق بغية وضع حد لتدهور العلاقات بين البلدين.
الأكثرية باتت اليوم في موقع صعب بعد ان عزلت نفسها في موقع مواجهة مع قوى أساسية في الحياة السياسية اللبنانية، والمطلوب منها رئاسة لأولى حكومات العهد الجديد بدون سعد الحريري، أو القبول بإبقاء الموقع الرئاسي شاغرا الى حين انتخابات نيابية مقبلة قد تودي بالأكثرية النيابية التي تتمتع بها حاليا.
والمعارضة بكل بساطة تقول إن التوافق لم يعد كافيا على الرئيس، والمطلوب تسوية على الأمور الجوهرية، فالأوضاع قد تغيرت ووزير الخارجية الفرنسي هذه المرة بثياب جديدة، وبدل التهديدات التي أطلقها قبل مغادرته في المرة السابقة، نجده اليوم كالحمل الوديع صامتا يحمله رئيس مجلس النواب الواثق من انتخاب سليمان، سلة تساؤلات من المعارضة.
هناك من أشار من فريق 14 آذار بأن وزير الخارجية الفرنسي، برنار كوشنير، قادم للمرة السابعة الى لبنان في زيارة اجتماعية. القائل قد لا يكون مخطئا، فهل أتى كوشنير هذه المرة لتقديم التعازي، ويقال ليست هناك مناسبة طابعها اجتماعي أكثر من الجنازة، فهل سنشهد انفراط فريق الأكثرية كنتيجة او ثمن للتوافق الرئاسي؟