انعقد أنابوليس فتذكر كثيرون مشهداً مماثلاً في مدريد 1992 غير أنه ذكرني بمشاهد كثيرة تمتد زماناً ومكاناً من الأندلس إلى أوشفتس، فلقرون متعاقبة ارتبط العرب والغربيون واليهود بعلاقة جدل ثلاثية كانت لها مفارقاتها المثيرة.
فرغم أن العالم العربي كان مهبط الديانتين اليهودية والمسيحية إلا أنهما تحولتا ليصبح تمركزهما بصفة رئيسة خارج مهدهما التاريخي بوصفهما علامتين مميزتين للوجدان الغربي بعد رحلة طويلة من التقلبات. وحتى عصر النهضة الغربي الذي يؤرخ لبواكيره بالقرن الخامس عشر الميلادي كان اليهود والعرب توأمين في الوجدان الغربي، حيث كان كلاهما رمزا للآخر ـ العدو، وهناك من الأدبيات التي تصور ذلك الكثير لعل أكثرها إثارة للدهشة لوحات لتعذيب المسيح تصور الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يجلد المسيح بالسوط!!
وأصبح الطريد حليفاً
وقد تراكمت الخبرات السلبية في الوجدان الغربي دون أن تخضع لأي نوع من التمحيص، فخلال الحملات الصليبية كان الصليبيون وهم في طريقهم لبيت المقدس يذيقون الجماعات اليهودية ويلات لا تقل عما ذاقه المسلمون، وفي بيت المقدس جمع الصليبيون كل اليهود في كنيس لهم وأضرمت فيهم النار. وحتى سقوط الأندلس كان القسم الأكبر من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم يعيشون بين المسلمين متمتعين بحرية قد لا يكون لها نظير في التاريخ.
وحتى الهولوكوست مرت علاقة الغربيين باليهود بتقلبات بعضها دموي فكان أعضاء الجماعات اليهودية يطردون من الدول الغربية ويتعرضون للاضطهاد المتفاوت وصولا لكارثة الهولوكوست، وبعد أن انقطعت صلة النسبة الأكبر منهم بالثقافة العربية الإسلامية أصبحوا في حالة مضطربة لا هم غربيون تماما ولا شرقيون خلص.
وقد لعب ظهور الدولة القومية في الغرب عقب صلح وستفاليا (1648) دورا كبيرا في تكريس صورة اليهود كغرباء غير مرغوب فيهم بين أمم تشعر باعتزاز شديد بانتمائها القومي وتنفر ممن يختلف عن أبنائها دينا أو لغة أو ثقافة.
ولعب الإصلاح الديني البروتستنتي دورا مثيرا إذ تحولت صورة أعضاء الجماعات اليهودية في الوجدان الغربي من: «المدنس المنبوذ» إلى «المقدس المنبوذ»!!
فهم مدنسون منبوذون لأنهم رفضوا المسيح ثم قتلوه (حسب التصور المسيحي) وهم مقدسون لأن لهم حسب التفسير البروتستنتي للإنجيل دورا مركزيا في مشهد نهاية التاريخ حيث يعد تجمعهم في «أورشليم» شرطا لعودة المسيح الثانية.
وكان اكتشاف ما سمي «العالم الجديد» تحولا تاريخيا كبيرا، إذ غيرت الجغرافيا الجديدة معطيات كثيرة، فأصبحت بريطانيا البروتستنتية في قلب منظومة الطرق للعالم الجديد بعد أن كانت معزولة عن اليابس الأوروبي قابعة في طرف العالم المعروف آنذاك.
وبفوز البروتستنت الذين كانوا مضطهدين في أوروبا بنصيب الأسد من العالم الجديد تحالف ضحايا الاضطهاد القدامى والمحدثين ليضطهدوا أبناء حضارتنا وهي الحضارة الوحيدة التي نعم اليهود في ظلها بالحرية والمساواة الحقيقية!
من مفارقات الهولوكوست
جاءت محطة الهولوكوست لتكون المحطة الأكثر إثارة في سياق مفارقات العلاقة، ففي عام 1943 عقدت سرا قمة أميركية سعودية بين الملك عبدالعزيز بن سعود والرئيس الأميركي روزفلت وكانت ترتيبات ما بعد الحرب العالمية أهم ما دار النقاش حوله فتحدث روزفلت عن ما أسماه «مأساة اليهود» تحت حكم النازي ورغبة الدول الغربية في إنشاء «وطن قومي» لهم في فلسطين، فكان رد الملك عبدالعزيز أن من اضطهد اليهود هو من يجب أن يعوضهم وبالتالي يمكنكم معاقبة الألمان بإنشاء الوطن القومي لليهود في ألمانيا!!.
لكن الغربيين واليهود معا قرروا أن يكون التعويض على حساب أمة لم ترتكب يوما جريمة اضطهاد اليهود!! ولم تقتصر مفارقات الهولوكوست على ذلك فبينما نجح الصهاينة في تكريس أكذوبة أن مأساة الهولوكوست تبرر جريمة اغتصاب فلسطين مدعين أنها جريمة ارتكبت ضد اليهود وحدهم محتكرين دور الضحية ليظل مبررا لاغتصاب أرض فلسطين، وقد انطوى الأمر على مفارقتين كبيرتين:
الأولى: رواها المفكر المعروف الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه «الصهيونية النازية ونهاية التاريخ» (1997،) وهي أنه أثناء كتابة موسوعته «اليهود واليهودية والصهيونية» لاحظ وجود كلمة «مسلم» في مقال عن التدرج الاجتماعي في معسكر أوشفتس.
وبالرجوع لعدة مراجع غربية تبين أن ضحايا الهولوكوست ـ اليهود وغير اليهود ـ كانوا يسمون «ميزلمان أي مسلم بالألمانية»، وقد ورد في «الموسوعة اليهودية» ما يلي: «ميزلمان» أي مسلم بالألمانية وهي إحدى المفردات الدارجة في معسكرات الاعتقال وكانت تستخدم للإشارة للمساجين وهم على حافة الموت، أي عندما تظهر عليهم الأعراض النهائية للجوع والمرض وعدم الاكتراث العقلي والوهن الجسدي».
ويعلق المسيري على ذلك بأن العقل الغربي حينما كان يدمر ضحاياه كان يرى فيهم الآخر وهو منذ الحروب الصليبية «المسلم».
الثانية: عبرت حاجز التأويل إلى الحقيقة، حيث كشف النقاب مؤخراً في ألمانيا عن أن العرب المسلمين كانوا ضمن ضحايا المحرقة النازية حقيقة لا مجازا، صحيح أنهم كانوا في وعي الجلاد ووجدانه رمزا للآخر إلا أنهم كانوا فعليا ضمن ضحايا هذه الآلة الرهيبة.
مخاطر التذكر
في معسكر الاعتقال زاكسن هاوزن قرب برلين يجري «مركز دراسات الشرق المعاصر» أبحاثا جديدة حول علاقة العرب والألمان في التاريخ المعاصر يقوم بها البروفيسور غرهارد هوب صاحب المؤلفات المعروفة عن تاريخ الوجود العربي في ألمانيا في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. ومن خلال هذه الأبحاث تطل للمرة الأولى وجوه عربية بين ضحايا الهولوكوست.
والضحايا جاءوا من المغرب والجزائر وتونس ومصر والعراق ولبنان وفلسطين وسوريا واعتُقلوا كغيرهم كأسرى حرب أو لأسباب سياسية أو عنصرية أو لتشغيلهم للسخرة في تصنيع آلة الحرب النازية، ومات كثير منهم قتلاً أو مرضاً في معسكرات أوشفيتس وبوخن فالد ودخاو وبرجن بلزن وماوت هاوزن وزاكسن هاوزن وغيرها، ثم ماتوا ثانية عندما غيبتهم كتب التاريخ.
في معسكر زاكسن هاوزن وبين السطور المكتوبة بالألمانية والفرنسية إحياء لذكرى الضحايا تختفي مصائر 37 عربياً وقد أدت الأبحاث التاريخية الجديدة إلى تحديد أسماء أكثر من 1130 مسلما ضمتهم قائمة واحدة أعدموا بأمر هيملر وزير داخلية النازي. وقد اختار البروفيسور جيرهارد هوب لنتائج دراسته التي استمرت ثلاثة أعوام عنوانا موحيا هو «مخاطر التذكر»!
وبسبب علاقة الجدل بين احتكار الهولوكوست وبين اغتصاب الجغرافيا، ولأهمية الصورة المزورة التي ترسمها الصهيونية للهولوكوست يخوض الصهاينة معارك هدفها الرئيس احتكار دور الضحية، ففي عام 1992 قام دبلوماسي إسرائيلي بزيارة معسكر الاعتقال ميتل باو دورا ورأى لوحة تذكر الدول العربية ضمن أخرى فيما يتعلق بوطن الضحايا فما كان منه إلا أن طالب بإزالتها.
وبطبيعة الحال ليست المشكلة كم نسبة العرب والمسلمين بين الضحايا؟ إذ يعنينا في المقام الأول كسر الاحتكار الصهيوني لدور الضحية ووقف عمليات الابتزاز السياسي والاقتصادي المتواصلة منذ أكثر من نصف قرن. والحقيقة التي كشفت عنها الأبحاث واحدة من مفارقات هذه العلاقة الثلاثية: العرب ـ الغربيون ـ اليهود، وتحولاتها المثيرة.
كاتب مصري