عندما فاز نيكولا ساركوزي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لشهر مايو 2007 الماضي حدد ثلاث دوائر لها الأولوية في سياسته الخارجية. هذه الدوائر جاءت حسب الترتيب التالي: الاتحاد الأوروبي أولا ثم «التضامن الأطلسي» ثانيا ف«المسائل المتعلقة بالهجرة والتعاون الإقليمي في إطار حوض المتوسط والقارة الإفريقية السوداء» ثالثا.
لم تكن الصين إذن بين أولوياته، مع ذلك فإن أول زيارة دولة يقوم بها كرئيس للجمهورية الفرنسية إلى آسيا كانت إلى بلد واحد، وليس في إطار «جولة آسيوية»، هو الصين.
ثم إن الرؤساء الفرنسيين الذين سبقوه لم يذهبوا إلى الصين إلا بعد مضي عامين على الأقل على انتخابهم للمنصب الرئاسي ـ كانت أول زيارة قام بها جاك شيراك إلى الصين هي في عام 1997 وكان قد جرى انتخابه رئيسا عام 1995 ـ أما نيكولا ساركوزي فقد «يمم شطر الصين» بعد ستة أشهر فقط من انتخابه وهو أول رئيس أوروبي يزور الصين بعد انعقاد المؤتمر 17 للحزب الشيوعي الصيني الذي عزز ركائزه في السلطة.
لعلّ أحد دوافع زيارة الرئيس ساركوزي إلى الصين يعود إلى التعرّف على قادة إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي فهو يعرف بوش وبراون، وكان قد زار موسكو قبل زيارته للصين.
كان نيكولا ساركوزي قد رفع شعار «القطيعة» مع السياسات السابقة ك«برنامج» لنهجه السياسي بصورة عامة، وفي مختلف الميادين. ولكن الصينيين يبحثون عن «الاستمرارية» في العلاقة مع فرنسا. هكذا لم يتردد الرئيس ساركوزي في وضع مفهوم القطيعة «في الثلاّجة» ليؤكد، كما نقلوا عنه، أن زيارته للصين لا تندرج في إطار سياسة الرئيس السابق جاك شيراك فحسب وإنما يريد أن يفعل «أفضل بكثير».اي ما يعني أفضل من جاك شيراك.
مع ذلك تبقى المهمة الأولى لنيكولا ساركوزي هي أن تكون له «بصمته الخاصة» بعد سنوات طويلة من تعامل القادة الصينيين مع «الصديق الكبير والقديم» جاك شيراك. وعليه أيضا أن يطمئنهم حيال طيب نوايا باريس حيال بلادهم في عهده، لاسيما وهو مشهور ب«هواه الأميركي».
وإذا كان الرئيس الفرنسي السابق شيراك من «عشّاق» الشعر الصيني وأحد «الخبراء» المشهود لهم بالحضارة الآسيوية، فإن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي معروف عنه أنه من «عشّاق» الثقافة الشعبية الأميركية وقيمها.
وإذا كانت عيون الرئيس نيكولا ساركوزي قبل زيارته للصين، وأثناء الزيارة، مركزة أولا، وأساسا، على العقود التي جرى توقيع الكثير منها، فإنه كان لبكين أيضا مراميها المأمولة من زيارة الرئيس الفرنسي لها، لاسيما فيما يتعلق بتوازناتها الاستراتيجية حيال القارة الأوروبية، ولكن أيضا وأساسا أيضاً حيال الولايات المتحدة الأميركية.
كانت فرنسا قد ظهرت في إطار ما سمي بالنظام الدولي الجديد عامة، وبعد الموقف الذي اتخذته حيال الحرب الأميركية ـ الإنجليزية ضد العراق في ربيع عام 2003، إنها «الناطقة باسم» الدول الداعية إلى قيام عالم متعدد الأقطاب في مواجهة الأحادية القطبية التي تكرّس هيمنة أميركا ـ بوش. الصين أيضا تقول بمفهوم التعددية القطبية وتلتقي على نفس «الموجة» مع الموقف الفرنسي.
لكن الصورة «اهتزّت» بعد وصول نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة في فرنسا، فزياراته المتعددة إلى واشنطن وتصريحاته «الأطلسية» المتحمسة أثارت الكثير من التساؤلات لدى الصين، وغير الصين، عن الدور القادم لفرنسا على مسرح العلاقات الدولية ومدى «تبعيته» للدور الأميركي. وذهبت «التساؤلات» في نفس الاتجاه أيضا من خلال التشدد الفرنسي، اقترابا من الموقف الأميركي، حيال الملف النووي الإيراني.
وكانت بكين تعوّل إلى حد كبير على الموقف الفرنسي فيما يخص العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في أفق بناء نوع من الشراكة الاستراتيجية الصينية ـ الأوروبية.
وذلك بالتأكيد بحثا عن تعزيز وجودها على صعيد العلاقات الدولية. الدور الذي يمكن للرئيس ساركوزي أن يلعبه بهذا الصدد مهم وجوهري بالنسبة للصين لاسيما وأن فرنسا ستتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي في دورته المقبلة اعتبارا من مطلع شهر يناير 2008.
صحيح أن ساركوزي دعا في الصين إلى ضرورة إقامة «توازن عادل بين العملات الكبرى» مشيرا إلى أن أي بلد كبير «ينبغي عليه امتلاك عملة قوية»، الأمر الذي يشكل انتقادا «صريحا» للآثار السيئة المترتبة على وجود عملة صينية «ذات قيمة منخفضة»، بالنسبة للمبادلات التجارية الدولية.
وبعد أن أشار إلى «أكبر مغامرة تحديث في التاريخ الإنساني» انطلقت فيها الصين أكّد أنه عليها بالمقابل «تحمل مسؤولياتها حيال البيئة وسخونة الأرض والمحافظة على الموارد الطبيعية». منطق «تصالحي» ولا يثير خلافا حقيقيا في واقع الأمر، وليس هناك من يعلن اعتراضه على مثل هذه المبادئ.
في المقابل استخدم الرئيس الفرنسي حيال جميع الملفات ذات الإشكالية أو التي قد تثير حساسية الصينيين التعبير الدبلوماسي المعروف «الحوار البنّاء»، إنما الذي قد «لا يبني الشيء الكثير» على أرض الواقع.
وإذا كانت مسائل حقوق الإنسان قد غابت تقريبا ـ كما غابت سكرتيرة الدولة ياما ياد عن الوفد المرافق للرئيس إلى الصين ـ عن المواضيع التي تطرق لها الرئيس الفرنسي مع قادة بكين، فإنه قد عزف بالمقابل على «النغمة التي يحب الصينيون سماعها» عند دعمه للصين «الواحدة» ومعارضته ل«استقلال تايوان» ـ الصين الوطنية سابقا ـ والإعراب عن حماسه للألعاب الأولمبية عام 2008 في الصين، بل ووعده أنه سيكون حاضرا في بكين يوم افتتاحها.
في المحصلة، تفوقت لغة «العقود» التي قاربت قيمتها 20 مليار دولار على جميع «اللغات» الأخرى. هكذا اذن عندما تتحدث المصالح تسكت المبادئ.
كاتب سوري
