في زيارة مفاجئة للعراق قام بها روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي شملت كلاً من الموصل وبغداد، قادماً من أفغانستان.. أعلن ان منظوره للأمن في العراق صار أكثر تفاؤلاً، وانه صار يرى أملاً في ان يحقق العراق الاستقرار. غيتس في زيارته الأخيرة هذه أعلن كذلك عن أربع نقاط أساسية عبر فيها عن منظوره الخاص للأمن في العراق:
أولاً: غيتس يرى ان تحقيق هدف الاستقرار في العراق صار في «متناول اليد»، إلا أنه عاد وطالب بالتحلي بالصبر.
ثانيا: تراجع معدلات العنف في العراق إلى اقل معدل لها منذ عامين والذي يرى انه ساعد على عودة كثيفة للاجئين العراقيين.
ثالثا: البحث عن محاولة للتوصل إلى تفاهم حول طريقة العمل المشترك وكيفية «تعزيز الدينامية التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة»، مشيرا إلى أن الوضع الأمني وفق رؤيته شهد تغيرا كبيرا.
رابعا: المفاوضات التي يتوقع أن تبدأ عام 2008 بين العراق والولايات المتحدة بحثا عن اتفاق إطار يحدد بصورة خاصة مستقبل الوجود العسكري الأميركي.
تصريحات غيتس ان كانت تعبر عن منظوره الخاص للأمن في العراق فتلك مصيبة، أما إذا كانت تعبر عن منظور الإدارة الأميركية فالمصيبة أعظم.
فمن ناحية الأمن الذي يرى غيتس انه صار في اليد، فإن بغداد ونيرانها واضحة للعيان لا يخفيها غربال ولا تجملها أوهام أو أكاذيب، فلا يكاد يمر يوم إلا وتشتعل بغداد أو إحدى محافظات العراق نارا.
وآخرها ما حدث نهاية الأسبوع الماضي وتحديدا مع زيارة غيتس لبغداد والموصل، حيث قتل وجرح عشرات العراقيين في سلسلة تفجيرات بسيارات مفخخة شهدتها بغداد وثلاث مدن عراقية أخرى. وفي أحدث الهجمات قتل 15 شخصا على الأقل وأصيب 33 آخرون في انفجار سيارة مفخخة في سوق شعبي بحي الكرادة وسط بغداد.
ويعد انفجار الكرادة الأكثر دموية في بغداد منذ سبتمبر الماضي، ويأتي بعدما هدد تنظيم القاعدة في العراق هذا الأسبوع باستئناف حملة الهجمات بالمفخخات. اما عن عودة اللاجئين التي يتحدث عنها غيتس وغيره، فالحقيقة ان هؤلاء اللاجئين ضاقت بهم السبل بعد ان بدأت الدول تساوم بهم، مقابل تجاهل من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي لم تستطع مواجهة وضعهم وتدارك تدهور أحوالهم المعيشية.
هذا بالإضافة إلى ان اللاجئ العراقي صار غير مرغوب به في العديد من دول الاغتراب، ومحاصرا بكم من القوانين والشروط فما كان أمامه الا الاستسلام، وكانت العودة جزءا من الرغبة في انهاء قصة طويلة من المعاناة والطرق المسدودة مهما كانت نهاية ذلك الطريق.
أما عن دينامية العمل التي جاء غيتس ليبحثها مع الحكومة العراقية فنحن جميعا نعرف ان لم يحصل عمل يجمع الحكومة العراقية والإدارة الأميركية، فلا الولايات المتحدة صارت قادرة على إيجاد بديل عن الحكومة الموجودة على ذلك يصحح من مسار العملية السياسية في العراق، ولا حتى الحكومة العراقية صارت قادرة على الإيفاء بالطلبات الأميركية التي تدعوها إلى إعادة لم شمل الحكومة ولو شكليا أو إعادة بناء جزء من العملية أسياسية المتهاوية.
وبالتالي فان الدور الذي تطلبه الإدارة الأميركية من الحكومة العراقية صار محصورا في ان تقوم الحكومة العراقية بالتماسك لأطول فترة ممكنة، وتحديدا لحين إتمام المفاوضات التي تحدد صيغة بقاء القوات الأميركية في العراق.
إذن منظور غيتس للأمن في العراق هو في الحقيقة تعبير عن عملية الخداع للذات التي تمارسها الإدارة الأميركية بمسايرة من الحكومة العراقية. والحقيقة ان مؤشر الحالة الأمنية في العراقي هو على حالة منحدرة لا صعود فيه ولا قيد شعرة.
أما هذا المنظور المتفائل التي تحاول الإدارة الأميركية إشاعته فإن أسبابه كثيرة من أهمها مؤتمر انا بوليس، فمنذ ان وصلنا إلى مقتربات مؤتمر انا بوليس بدأت الولايات المتحدة التحضير لعملية تحويل الأنظار من العراق إلى عملية السلام في الشرق الأوسط، كوسيلة أخيرة لإنقاذ إدارة بوش المتهاوية.
ولكي تكون عملية تحويل الاهتمام مدروسة كان لا بد من بث الإيحاء بأن الوضع في العراق قد بدا بالتحسن، من خلال أدوات وأبواق الإدارة الأميركية الإعلامية التي بدأت وتحديدا منذ أكتوبر، ببث أخبار عن ان القوات الأميركية نجحت في القضاء على اكبر تنظيمات القاعدة في العراق، وأخبار أخرى عن ان خسائر القوات الأميركية في العراق بدأت تنخفض إلى أدنى المستويات مقارنة بالشهور الماضية.
ومن جانبها فإن الحكومة العراقية بدأت بمسايرة الهوى الأميركي، من خلال رسم تلك الصور عن تحسن الوضع الأمني في العراق ونجاح خطة أمن بغداد أو خطة فرض القانون، وكذلك جعل الخلافات والسجالات بين الأطراف السياسية العراقية تبدو بأنها خلافات طبيعية وليست ذات تأثير على مجرى الحياة السياسية، وان تلك الأطراف التي تقاطع العملية السياسية ليست ذات أهمية أو تأثير بقدر ما انها تحاول إثارة زوبعة في فنجان.
محاولة الإدارة الأميركية الإيحاء بأن العراق يعيش حالة من الهدوء الأمني والسياسي سرعان ما ستنهار مع ضغط الوضع الداخلي المتأزم وضغط التدخل الخارجي، وخاصة مع إصرار تركيا على الدخول إلى شمال العراق لمطاردة حزب العمال الكردي.
وكذلك الدور الإيراني الملتبس في العراق. وبالتالي فإن عملية زرع الوهم ليست حلاً لمآزق الولايات المتحدة في العراق، ونقطة الصدام التي تحاول الإدارة الأميركية الفرار منها إنما هي واقعة ولا مناص من ذلك.
حتى ولو أرادت إدارة بوش الخروج من المآزق من خلال قصة مختلقة ترسم نهاية سعيدة لمغامرة غزو العراق، وحتى لو وافق حلفاء الولايات المتحدة على مثل تلك القصة التي تحفظ ماء الوجه، فإن أعداء الولايات المتحدة لن يسمحوا إلا بخروج مذل ومرهق لن تجرأ بعده الإدارة الأميركية على القيام بمغامرات في الشرق الأوسط، ولن تقوى على ردع أي طامح إقليمي من تحقيق مآربه.
المشكلة هي ان قضية العراق بدأت تدخل مرحلة التسويف، في محاولة لتحويل معانات شعب بأكمله إلى مجرد شكوى في المجهول، وتصير قضية هذا البلد بعيدة عن أحداث الصدى والتأثير. وهذا هو المصير الذي انتهى إليه العديد من القضايا العربية.
كاتبة عراقية