عندما كنا طلبة مبتدئين في قسم العلوم السياسية كان أستاذنا خريج الجامعات الأميركية مغرماً بكل ما هو أميركي، مع أنه فلاح من قرى القدس ذهب إليها في سن الثامنة عشرة وتعلم في جامعاتها وتزوج من إحدى بناتها.
ولم يكن يروق ذلك لنا معشر الطلبة «المتمردين» والمكتوين بنار الانحياز الأميركي الأعمى للمشروع الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين، وفي إحدى المرات اشتد النقاش بيننا وبينه حول السياسة الخارجية الأميركية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تعتبر قضية العرب المركزية منذ أكثر من قرن من الزمان.
ولما طفح الكيل بيننا وبينه ذكرنا بالمثل الذي يقول «من برا رخام ومن جوا سخام» وقلنا له هذا باختصار موقفنا من السياسة الأميركية في المنطقة العربية، بل زاد على ذلك أحد الطلبة الأشقياء وسحب الوصف على السياسة الخارجية الأميركية وعلى سياستها الداخلية أيضاً، فكان رده بكل برود «هذا رأيكم وأنا احترمه ولكني لن آخذ به أو أقتنع به».
مع أننا كنا نعيش بعيداً عن المجتمع الأميركي، لكننا كنا ننظر إلى صورة أميركا في العالم من خارج الدائرة وننظر نظرة شاملة لما كانت قواتها الغازية لفيتنام ترتكبه من أعمال وحشية بحق ثوار الفيتكونج، وحرقها بقنابل النابالم للشجر والأرض والحيوان قبل حرقها للبشر هناك.
وفي المخيلة جيداً صورة الطفلة الفيتنامية التي تصدرت الصفحة الأولى من الجرائد العالمية والعربية، وهي تركض عارية بعد قصف قريتها بقنابل النابالم المحرمة دولياً. ومشاهد أخرى لا تُمحى من الذاكرة العالمية التي لا تشيخ عما جرى لمدينتي ناغازاكي وهيروشيما اليابانيتين بعد قصفهما بالقنابل النووية الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية.
وربما يقول قائل ما الداعي لهذا الكلام الآن؟ ولما تذكر هذه الأمور والقضايا؟ والسبب هو التقرير الذي نشرته وكالات الاستخبارات الأميركية الــ 16 الأربعاء الماضي بشأن الملف النووي الإيراني، ومفاده أن إيران أوقفت برنامجها لامتلاك أسلحة نووية في العام 2003.
ومعنى ذلك أن كل مبررات الإدارة الأميركية وعلى رأسها جورج بوش، حول مسوغات التهديدات الأميركية لإيران بضربها عسكرياً ما لم توقف برنامجها النووي، لم تعد قائمة وان كل الحشود العسكرية الأطلسية والأميركية في منطقة الخليج العربي وغيرها.
وفرض مزيد من الحصار الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي، كلها مبنية على أوهام وفرضيات غير موجودة إلا في مخيلة الطاقم الحاكم في البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية الأميركية وصقور المحافظين الجدد الذي يحكم قبضته على السياسة الأميركية الداخلية والخارجية.
نتذكر أيضاً قصة الذئب مع الحمل الذي عكر النهر عندما ورد الماء ليشرب، وذلك في معرض تبريره لافتراسه.
كيف تغض الولايات المتحدة الأميركية عينيها وتصم أذنيها وتغلق فاهها عن الترسانة النووية لحليفتها إسرائيل وتقيم الدنيا ولا تقعدها عن مزاعم إيران النووية؟ والآن بعد أن شهد شاهد من أهلها، كيف ستتصرف الإدارة الأميركية بشأن الملف النووي الإيراني؟
بوش من جهته اعترف بوجود التقرير الذي قدم له، ولكنه يريد أن يتأكد من صدق المعلومات وعدم وجود تضليل، وطالب إيران بإعلان كل شيء عن برنامجها النووي وإلا واجهت مزيداً من العزلة، لكن هذا الموقف تقابله مواقف مختلفة من أطراف أميركية وتحالفات أوروبية خارجية ومن موقف الدب الروسي اليقظ والتنين الصيني الرافض لفرض أي عقوبات جديدة على إيران في الأمم المتحدة.
كما أن محمد البرادعي مدير وكالة الطاقة الدولية رحب بنتائج التقرير. وحدها إسرائيل ما زالت تحرض أميركا على ضرب إيران عسكرياً وفرض المزيد من الحصار عليها.
أما الموقف العربي الخليجي فقد استبق حتى التقرير نفسه بدعوة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد لحضور مؤتمر القمة الخليجي الأخير الذي عقد في العاصمة القطرية قطر كمراقب، وذلك لأول مرة منذ قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، ما يبشر بانفتاح عربي خليجي على إيران تمهيداً لإزالة كل القضايا العالقة بين طرفي الخليج العربي.
قد يعتقد بعضهم أننا نكن عداء أو كرهاً للشعب الأميركي، ونحن إنما نكن الرفض للسياسة الأميركية المنحازة للكيان الصهيوني، ولكل محاولة أميركية للنيل من مكتسبات ومنجزات شعوب العالم الطامحة للحرية الحقيقية والديمقراطية غير المزيفة.
والساعية لتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية لشعوبها بعيداً عن سياسات الأمركة أو ما يعرف بالعولمة الجديدة، وكل نظريات صدام الحضارات وتبريرات العدوان العسكري الأميركي والأطلسي المباشر وغير المباشر على دول وحكومات وأحزاب ترفض الانصياع للهيمنة الأميركية وتتهم بالإرهاب ظلماً وعدواناً.
وما معتقل غوانتانامو إلا صفعة موجهة على جبين تمثال الحرية الرابض على الأرض الأميركية، ووصمة عار باعتراف المنصفين والمدافعين عن العدالة الأميركيين أنفسهم.