عقب إعلان فيكتور يانكوفيتش عن استقالة الحكومة الأوكرانية وفق أحكام الدستور، وترشيح الائتلاف البرتقالي الحاكم يوليا تيموشينكو لتولي منصب رئيس الحكومة، صرح مصدر رسمي في إدارة مؤسسة «غاز بروم» أنها ستوقع عقدا جديدا مع وزارة الطاقة الأوكرانية، سيتم بموجبه توريد الغاز الروسي بأسعار تزيد عن أسعار العام الماضي بنسبة 38%.
كما وافقت الشركة الروسية على زيادة رسوم مرور الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية بنسبة 3 ,6%. ويبدو واضحا أن الحكومة الأوكرانية تتجه نحو تقليص وارداتها من الغاز الروسي، حيث كان إجمالي وارداتها عام 2007 أقل من العام الذي سبقه بحوالي 50 مليار متر مكعب.
وعقب انتخابات البرلمان الأوكراني الذي حقق فيه البرتقاليون انتصارا يمكنهم من السيطرة على الحكومة، أعلن متحدث باسم شركة «غاز بروم» أن شركته ستخفض الصادرات إلى أوكرانيا اعتبارا من أكتوبر إذا لم تدفع أوكرانيا متأخرات مستحقة للشركة قيمتها 3 ,1 مليار دولار.
كما أفاد مصدر رفيع المستوى في شركة «غاز بروم» قبل عملية التصويت في أوكرانيا أن سعر بيع ألف متر مكعب من الغاز إلى أوكرانيا قد يتراوح بين 145 و175 دولارا إذا لم يتغير التشكيل الوزاري الأوكراني، أما إذا ضم الفريق الجديد نفس الأشخاص الذين فاوضتهم شركة «غاز بروم» في عام 2006 فسوف يصل سعر ألف متر مكعب إلى 230 دولارا.
ويبدو واضحا أن روسيا لا ترغب في التعامل مع البرتقاليين ودعم حكومتهم، لذا فإنها لن تقدم لحكومتهم أي دعم.
ولأن موسكو تتوقع عودة زعيمة تحالف البرتقاليين (يوليا تيموشينكو) إلى السلطة الأوكرانية لتحل محل رئيس الوزراء الحالي فيكتور يانوكوفيتش، لذا رفعت سعر الغاز إلى 179 دولارا بعد أن كان يتم توريده بحوالي 110 دولارات.
بينما تؤكد الأوساط الروسية أن هذه الزيادة كانت نتيجة رفع تركمانيا لأسعار الغاز، ما يعني أن موسكو يمكن أن تقوم برفع أسعار الغاز مرة ثانية خلال الفترة المقبلة.
وقد اتهمت تيموشينكو حكومة فيكتور يانوكوفيتش بخيانة المصالح الوطنية بسبب موافقتها على رفع أسعار واردات أوكرانيا من الغاز الروسي إلى 5 ,179 دولارا لكل ألف متر مكعب. واعتبرت أن «سياسة الطاقة» التي تمارسها حكومة يانوكوفيتش تلبي بصورة تامة مصالح رئيس الوزراء وبعض وزرائه، ولكن ليس لها أي علاقة بمصالح أوكرانيا الوطنية.
وقد أعلنت زعيمة البرتقاليين أنها ستتخلى في حال إقرار ترشيحها لمنصب رئيس وزراء أوكرانيا عن الوسطاء في قضايا استيراد الغاز.
ولا بد من بحث تطورات أزمة الغاز بين البلدين في سياق مساعي أوكرانيا للانضمام لحلف الناتو، وإعلانها الانسحاب من المجال الاقتصادي الموحد. وبات واضحا أن الغرب قد جعل من أوكرانيا رأس حربة في التضييق على روسيا وفرض حصار عليها وتقليص نفوذها، ليس فقط على الساحة الدولية وإنما أيضا في مناطق تواجدها التقليدي.
من جهة أخرى لا بد أن نتقبل رغبة وجهود إدارة شركة «غاز بروم» لتسويق منتجاتها بأسعار السوق الدولي، وتوحيد أسعار منتجاتها، لتصبح الأسعار الأوروبية الأساس لتحديد أسعار الغاز لأوكرانيا وبقية دول الفراغ السوفيتي، وذلك بعد أن اعتبر العديد من المساهمين أن تصدير الغاز إلى بلدان رابطة الدول المستقلة بأسعار مخفضة قد سبب أضرارا لمصالح المساهمين.
وحرصت موسكو خلال الأعوام الماضية على تأكيد سيطرتها على الغاز الآسيوي، وتحولت بذلك إلى قوة أساسية في قطاع الطاقة العالمي، ما أكد على أهمية الصداقة بين كييف وموسكو على صعيد الوضع الداخلي في أوكرانيا.
إذ كشفت أزمات الغاز السابقة أهمية التعاون مع روسيا بالنسبة للمجمعات الصناعية الأوكرانية، والتي كانت تتمسك بالعلاقة مع روسيا منذ أزمة انتخابات الرئاسة في أوكرانيا. بينما لا يحصل غرب أوكرانيا الذي يعتبر مركز نفوذ البرتقاليين على أي مكاسب من هذه الصداقة، ويرى أن مصالحه مرتبطة مع الغرب.
تباين المصالح بين غرب وشرق أوكرانيا، يعود إلى أن المجمع الصناعي الأوكراني يتركز في الشرق، بينما يقتصر النشاط الاقتصادي في غرب أوكرانيا على الزراعة، ويعيش غرب البلاد أزمات طاحنة.
ويمكن القول إن معركة الطاقة بين البلدين بدأت تعود مرة أخرى لتسيطر على العلاقات بينهما وعلى مصير الصراعات السياسية في أوكرانيا، بعد أن تم التوصل العام الماضي لاتفاق حقق مصالح أغلبية الأطراف. ولكن إنذار موسكو ليس مجرد عملية ردع ساذجة. لأن التحالفات السياسية بين مختلف القوى الأوكرانية ما زالت غير محددة المعالم وهشة، حيث يعيد كل طرف حساباته، ويدرس بعناية أرباح وخسائر تعاونه مع هذا الحزب أو ذاك!!
وفي ظل تطورات أزمة الغاز، فإن استمرار تحالف الرئيس الأوكراني يوشينكو مع زعيمة البرتقاليين، سيؤدي لمزيد من الخسائر للرئيس، وبالإضافة إلى أن ارتفاع أسعار الغاز يمكن أن يكون احد أسباب خسارته انتخابات الرئاسة القادمة، يمكن أن يؤدي الوضع الراهن إلى انفصال الشرق الأوكراني الغني عن غرب أوكرانيا الفقير، وبذلك لا يتحمل يوشينكو ذنب انقسام البلاد فقط، وإنما ستقتصر سلطاته على المناطق الضعيفة اقتصاديا.
وبشكل عام يمكن أن تستفيد موسكو من حرب الغاز مع أوكرانيا على مختلف الأصعدة، فهي تضمن لروسيا تأجيل العديد من الملفات الخلافية التي تستعد تيموشينكو لتفجيرها مع موسكو فور توليها رئاسة الحكومة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر إيجار القاعدة الروسية في القرم وضرورة مغادرة الأسطول الروسي للمياه الإقليمية الأوكرانية، وملف انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وملفات سياسية واقتصادية أخرى.
إن عدم احترام الغرب للمصالح الروسية في أوكرانيا، بات يهدد سيادة ووحدة الأراضي الأوكرانية، وإذا كان حل تقسيم البلاد يناسب الغرب الذي يبحث عن موطئ قدم لقواعده العسكرية، فإن هذا الوضع لن تقبل به روسيا لأنه يضر بمصالح الشعب الأوكراني، ولن تسمح بتقسيم أوكرانيا، وعلى الغرب أن يدرك أن ضمان إمداد مستقر ومنتظم بالطاقة يتعارض مع سياسات الصدام مع روسيا، ويتأثر سلبنا بخطط الهيمنة الأميركية.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا