رغم أنه لدى كل إنسان على سطح الأرض وسيلة إدراك متساوية، ولدى كل فرد على مختلف درجات المسؤولية العامة الفرصة المتكافئة مع غيره للإدراك الصحيح لما هو خطأ وما هو صواب، وما هو خير وما هو شر، فإن مواقف بعض الناس تختلف في رؤيتها ومواقفها وأفعالها وردود أفعالها، إما لغرض أو لمرض!
ورغم أن الله سلح كل إنسان بوسائل الاقتناع أكثر مما سلحه بوسائل الإقناع، وبأدوات التلقي والاستقبال أكثر من أدوات البث والإرسال، وبينما سلحه بعينين اثنتين لاعين واحدة، وبأذنين اثنتين لا بأذن واحدة فيما سلحه بلسان واحد فقط،، فإن هناك من يفضل أن يغمض عينيه أو يسد أذنيه ليتعامى عن رؤية ما لا يريد أن يراه أو ليتغاضى عما لا يريد أن يسمعه، سواء كان خطأ لا يريد إدانته أو صوابا لا يطيق الإقرار به!
وفي أحسن الأحوال وحين يريد أحدهم أن ينظر، فلا ينظر إلا بعين واحدة ويغمض الأخرى، بعين تغمض عن الصواب وعين يبصر بها الخطأ، أو بعين تغمض عن الخطأ وعين لا ترى إلا الصواب، فكل الأشكال لدى هذا وذاك إما أبيض أو أسود ولا رماديات بينهما، إما صواب كامل أو خطأ كامل، وإما خير مطلق أو شر مطلق!
لقد سلح الله كل إنسان بأجهزة الإدراك الشامل والفهم الشامل، وليس بأسلحة المار الشامل.. فسلحه بعيون للرؤية النهارية والليلية وفي كل الأوقات، وللقراءة العربية والانجليزية وبكل اللغات، ومع ذلك ما زال هناك في الكثير من مواقع المسؤولية في عالمنا وفي عصر المعلومات والاتصالات من لا يجيدون أو يريدون الرؤية! ولا يجيدون أو يريدون قراءة الأحداث والاعتبار من تجارب التاريخ، أو قراءة الصور أو سماع الأخبار!
بعض هؤلاء يفضل ألا يرى أو ألا يصدق ما يراه، أو في أحسن الأحوال يصدق نصف ما يرى، لكنه يكذب النصف الآخر!
بعض هؤلاء لا يستطيع قراءة الصورة على حقيقتها لأنه لا يريد أن يراها على حقيقتها، فيرى الصورة مقلوبة أو جزئية، وبالتالي لا يدرك الحقيقة على الوجه الصحيح أو بمكوناتها الكاملة فيقع في خطأ الإدراك، وهنا إما أن يتعامل مع اللاحقيقة أو يتعامل مع نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة مثل نصف الدجاجة، ونصف الدجاجة لا يلد بيضا!
هل نتحدث عن تجريد دون تشخيص أو تحديد؟ أبدا.. أتحدث عما يجري في عالمنا وعن إصابة بعض المسؤولين في الطبقة السياسية وفي مواقع صنع القرار وعلى قمة العالم أحيانا، من التعامل مع الحقائق بغرض مكشوف أو مستتر أو بمرض مزمن أو ظرفي.
أتحدث عن رجل يحاول التحكم في العالم بما يملك من ثروة أكثر من قارون، وقوة أكبر من شمشون، يرى نتائج خطأ سياساته في الانتخابات أو في المظاهرات أو في استطلاعات الرأي العام، سواء في ما تجريه المراكز الحكومية أو مراكز الأبحاث الخاصة، ولا يقرأ صوت شعبه فيعبر عن نفسه وعن لوبيات الضغط عليه ولا يعبر عن غالبية شعبه!
ويرى تساقط الحلفاء من حوله واحدا تلو الآخر بسبب إدانة شعوبهم لسياساتهم بشن الحروب الشاملة بمزاعم كاذبة عن امتلاك دولة ما تناهض سياسته لأسلحة الدمار الشاملة، ويحصد الفشل تلو الفشل ولا يكف عن المكابرة والمقامرة وقرع طبول مزيد من الحروب!
وبينما يجد نفسه بمواقفه العجيبة وحيدا يرسل تصريحاته الغريبة التي يوزع فيها شهادات البراءة والإدانة على دول العالم وزعمائه، ويرى نفسه آيلا للسقوط فلا يريد أن يختم حياته السياسية ـ لأنه لم يعد يستطيع ـ بالتراجع عن الباطل والعودة إلى الحق! والأدهى والأمر أنه وحده، وبعض أتباعه، من يرى الحق باطلا والباطل حقا، والخير شرا والشر خيراً!
أظنكم تعرفونه.. إنه ليس تلك البطة العرجاء، بل هو.. ذلك الطاووس العجيب!