لم يتردد ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي في إبداء قلقه من تقرير الاستخبارات الأميركية الذي نشر الاثنين الماضي 3 ديسمبر، والذي هوّن كثيرا من شأن المساعي الإيرانية لامتلاك أسلحة نووية، بل انه أعلن بوضوح ان إيران أوقفت برنامجا لإنتاج أسلحة نووية في العام 2003.

انها أخبار سيئة بالنسبة لتشيني الذي قال إن هذا التقرير «يمكن ان يعرقل الجهود الدبلوماسية الأميركية» حيال إيران، مثلما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية الخميس 6 ديسمبر.

اما المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية هانز بليكس فهو مندهش من هذا التقرير، وهي دهشة لا يجد لها من تفسير سوى ان الاستخبارات الأميركية تريد «تفادي تحمل المسؤولية كاملة في حال هجوم على إيران»، ووصف الاستنتاجات التي جاءت في التقرير بأنها «مذهلة». (وكالة الصحافة الفرنسية ـ 6 ديسمبر).

ولم ينس بليكس التذكير باتهام واشنطن ولندن «بتضخيم خطر هذا النوع من الأسلحة في العراق لتبرير التدخل العسكري ضد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين».

وفيما اعتبر الإيرانيون التقرير انتصارا لهم، راح الرئيس الأميركي جورج بوش يعيد التأكيد أن إيران لا تزال تمثل خطرا رغم ما جاء في التقرير. بالطبع لم تتأخر إسرائيل في التأكيد على الأمر نفسه، وإظهار التصميم على منع إيران من امتلاك سلاح نووي او التكنولوجيا اللازمة لذلك.

لكن ما الذي جاء في تقرير الاستخبارات الأميركية الوطنية (16 جهازاً ومنظمة استخبارية أميركية) لكي يثير هذه الصدمة في واشنطن وفي بقية أنحاء العالم؟ لقد خلص التقرير باختصار إلى القول إن إيران أوقفت منذ العام 2003 برنامجا سريا لصنع أسلحة نووية، لكنه أبقى الباب مفتوحا حول نوايا إيران في هذا الصدد.

وفي أفضل الأحوال فان التقرير الذي أشار إلى ان «الوسيلة الوحيدة امام إيران لانتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع قنبلة نووية، هي تخصيب اليورانيوم الذي بدأته في يناير 2006»، مضيفا أن إيران «حققت تقدما كبيرا هذا العام في إقامة أجهزة الطرد المركزي في موقعها النووي في (ننطنز)، لكننا ننظر بثقة متوسطة انها ما زالت تواجه مشاكل تقنية كبيرة في تشغيلها». (وكالة الصحافة الفرنسية 4 ديسمبر 2007).

يخلص التقرير أخيرا إلى أن «إيران لن تكون قادرة تقنيا على إنتاج ومعالجة كمية كافية من البلوتونيوم لأسلحة قبل العام 2015».

ولتفسير هذا التضارب بين استنتاجات تقرير الاستخبارات وموقف الإدارة الأميركية وحملتها المتصاعدة ضد إيران، يرى خبير استراتيجي سويسري هو فرانسو هيسبورغ مدير مركز سياسة الأمن في جنيف، ان التقرير قد يكون «مناورة» من الاستخبارات الأميركية ضد الرئيس بوش».

معللا ذلك بانه «قد يكون انتقاما للأجهزة الأميركية من الرئيس الذي وضعها في وضع صعب في الأزمة العراقية» التي «أظهرت القدرة اللامتناهية للاستخبارات الأميركية على قولبة تقييم خطر ما تبعا للوضع السياسي الآني». (وكالة الصحافة الفرنسية 5 ديسمبر).

لكن هل اسقط التقرير الخيار العسكري ضد إيران نهائيا؟ الكثيرون يذهبون إلى هذا الاستنتاج، لكن بوش وبعض أركان الإدارة ما زالوا يصرون على ان الخيار العسكري ما زال خيارا مطروحا.

هل سيمثل التقرير تحولا دراماتيكيا في السياسة الأميركية حيال إيران؟ الراجح هو ان التقرير سيصعب المهمة امام إدارة بوش في اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران، وسيصبح إقناع الأميركيين والعالم أمرا صعبا بهذا الخيار، لكن هذا لن يقود بالضرورة إلى جلوس الأميركيين والإيرانيين على مائدة المفاوضات، أقله في المستقبل المنظور.

ورغم دخولهم في جلسات مفاوضات مع إيران حول الوضع في العراق، فان هذه المفاوضات بالنتائج اليسيرة التي تفضي اليها تعطي كلا الطرفين انتصارات صغيرة. فالإيرانيون يظهرون امام العالم باعتبارهم طرفا مؤثرا للغاية في الوضع العراقي، في حين ان الأميركيين بدأوا يعلنون منذ الجلسة الثانية لهذه المفاوضات قبل شهور.

أنها أسهمت في تحسين الوضع الأمني في العراق وانخفاض معدل العمليات العسكرية. لكن هل يمكن ان يشكل هذا مسارا متناميا لعلاقات وتفاهم أفضل بين واشنطن وطهران؟

لا يبدو ان ذلك هو ما سيؤول اليه هذا الحوار المحدود بين طهران وواشنطن، فهناك ساحات أخرى للحرب بين الأميركيين والإيرانيين وخصوصا في لبنان. ان هذا يرجح التكهنات التي ترى ان لبنان قد يكون هو ساحة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وبالطبع بالنيابة.

كاتب وصحافي بحريني