سياسة بوش تجاه البرنامج النووي الإيراني انتهت إلى طريق مسدود. وجاء تقرير الاستخبارات الأميركية الأخير ليهيئ له التراجع عن تلك السياسة دون فقدان ماء الوجه.

يقول التقرير الذي شاركت في وضعه 16 وكالة استخباراتية إنه لمدى السنوات الأربع الأخيرة ـ منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا ـ أوقفت إيران نشاطاتها لصنع سلاح نووي، ويأتي نشر هذا التقرير الخطير بعد أن ثبت أن كافة تحركات إدارة بوش في كافة الاتجاهات ضد إيران لحملها على تحجيم برنامجها النووي عن طريق وقف تخصيب اليورانيوم انتهت إلى فشل ذريع. ومن هنا يبدو أن نشر التقرير مقصود من أجل تهيئة الرأي العام الأميركي والرأي العام العالمي لتحول جذري في السياسة الأميركية تجاه إيران.

هنا يطرأ تساؤل بشأن «ميكانزم» العمل بين أجهزة السلطة العليا في الولايات المتحدة: أيهما يسبق الآخر ويعتمد عليه: المعلومة الاستخباراتية أم القرار السياسي؟

هذا يعود بنا إلى الحالة العراقية. لقد اتخذت إدارة بوش أولاً قرار شن الحرب على العراق.. ثم بعد ذلك ـ وليس قبله ـ طلبت مجموعة «المحافظين الجدد» في البيت الأبيض من وكالة الاستخبارات المركزية إعداد طبخة معلوماتية لتبرير قرار الغزو.

وهكذا قدمت طبخة «تثبت» أن عراق صدام يمتلك أسلحة نووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل جاهزة الاستخدام مما «يتهدد الأمن القومي للولايات المتحدة» وأمن دول الجوار العراقي، ونعرف بقية المأساة الإجرامية: أشعلت الحرب الأميركية ضد العراق ولكن لم يعثر على أسلحة دمار شامل.

والآن يبدو أننا نشاهد بشأن الحالة الإيرانية «سيناريو» في الاتجاه المعاكس.. لكن دون تغيير في جوهر السيناريو نفسه، فإذا كان الهدف من إعداد الطبخة المعلوماتية الاستخباراتية في السابق هو تبرير قرار مسبق لشن حرب فان الهدف الراهن هو تبرير تراجع عن سياسة متشددة ثبت فشلها بأكثر من وجه.

بإصرارها على أن إيران منهمكة في إعداد العدة لصنع أسلحة نووية ظلت إدارة بوش تلوح بتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية من ناحية والضغط من ناحية أخرى على حلفائها الغربيين لاستصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على إيران.

ويبدو الآن أن الإدارة الأميركية توصلت إلى قناعة نهائية بأن شن حرب على إيران ينطوي على مخاطر في غاية الجسامة والخطورة وتداعيات لا يمكن التنبؤ بها.. وقناعة نهائية أخرى بأن الدول الأوروبية الحليفة ليست على استعداد للتضحية بشراكتها التجارية الواسعة مع إيران.. وقناعة ثالثة بأن كلا من الصين وروسيا والهند لا تؤيد سوى عقوبات رمزية.

مع هذا كله فان هناك اختلافات من حيث المحتوى المعلوماتي بين التقرير الاستخباراتي الحالي بشأن الحالة الإيرانية والتقرير السابق بشأن الحالة العراقية. فبينما بني التقرير السابق على تلفيقات بنسبة مئة في المئة فان التقرير بشأن إيران مبني على حقائق. فبينما يفيدنا هذا التقرير الأخير بأن النشاط النووي الإيراني لا علاقة له بصنع أسلحة نووية فان هذه الحقيقة سبق أن أعلنها مدير عام وكالة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي.

فقد ظل البرادعي يؤكد مراراً وتكراراً عدم وجود أدلة على أن البرنامج النووي الإيراني ذو طبيعة عسكرية.. مما أثار غضب إسرائيل على هذا المسؤول الدولي الكبير.

والسؤال الأخير إذن هو: هل كان لواشنطن أن تسمح بنشر تقرير استخباراتي أميركي لصالح إيران ومقاصد برنامجها النووي مما يؤدي لتقويض السياسة الأميركية تجاه إيران لولا أن إدارة بوش نفسها قررت إدارة ظهرها لهذه السياسة؟