لم يكن التقرير الذي أصدرته الاستخبارات الأميركية حول البرنامج النووي الإيراني في مجمله يشكل خبرا سارا لإدارة الرئيس جورج بوش والتيار المتشدد في البيت الأبيض. فقد وضع هذا التقرير الإدارة في وضع حرج، وربما يؤدي إلى قلب الطاولة على دعاة الخيار العسكري، كما أنه زاد من ناحية أخرى، باعتراف نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني المعروف بمواقفه المتشددة، من صعوبة التحركات الدبلوماسية الأميركية الهادفة إلى تشديد العقوبات الدولية على إيران.
لكن تقرير الاستخبارات الأميركية، بالرغم من الترحيب الإيراني الواسع به، لم يعط إيران شهادة حسن سلوك تامة كما قد يبدو من الوهلة الأولى. فبالرغم من اعتراف الاستخبارات الأميركية بأن البرنامج النووي العسكري الإيراني قد توقف منذ 2003، وربما كان الغزو الأميركي للعراق حينها أحد عوامل توقف البرنامج، إلا أن ذلك يعني بالضرورة أن إيران كانت تمتلك برنامجا نوويا حتى ذلك التاريخ وأنها ربما وصلت إلى مراحل متطورة في إطار مسعاها للحصول على سلاح نووي.
ومن ناحية أخرى، يشير تقرير الاستخبارات الأميركية أيضا إلى أن إيران قد تتمكن من إنتاج اليورانيوم المخصب في 2009، أي بعد أقل من عامين، وهذا يعتبر إشارة تحذير أخرى للمجتمع الدولي قد تبرر لأمريكا وبعض الدول الأخرى، خاصة بريطانيا وفرنسا، المطالبة بمتابعة الرقابة اللصيقة للبرنامج النووي الإيراني والاستمرار في ممارسة الضغوط الدولية الحالية.
ومهما يكن الأمر، فإن ابتعاد شبح الحرب عن المنطقة وزيادة فرص الحلول الدبلوماسية أمر مرحب به من جميع دول وشعوب المنطقة، خاصة أن إيران أبدت استعدادها للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهناك بالفعل وفد من الوكالة سيزور إيران في الأسبوع المقبل لإجراء مباحثات مع مسؤولين إيرانيين، بعد أن رحب مديرها العام بالتقرير الاستخباراتي الأميركي الذي قال إنه يؤيد وجهة نظر الوكالة فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، ويرد على الانتقادات الأميركية والإسرائيلية التي وجهت للبرادعي بسبب تصريحاته حول هذا البرنامج.
والمهم هنا أن تستغل إيران هذه الفرصة للقيام بخطوات إيجابية تسهل عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة، وتكون بمثابة بوادر حسن نية لطمأنة المجتمع الدولي ودول الجوار بشكل خاص. لقد كانت دعوة الرئيس الإيراني لحضور قمة مجلس التعاون بادرة طيبة يتوجب على إيران الرد عليها بخطوات عملية واضحة لدعم استقرار هذه المنطقة والقضاء على أي تهديدات قد تتعرض لها من أي جهة كانت.
