في شهر يوليو من العام 1996 وفي الولايات المتحدة الأميركية في ولاية اتلانتا تحديداً، حيث كانت تنقل على هواء العالم مباشرة دورة الألعاب الأولمبية يومها يذكر العالم تلك القضية التي أثارتها اللجنة المنظمة وتبنتها الصحافة العالمية والمحلية، وضخت وكالات الأنباء سيلاً لا نهاية له من صور الأطفال البؤساء العاملين في مصانع تصنيع الكرات المستخدمة في رياضة كرة القدم، لقد كانت هذه الصور هي مفتاح القضية المثارة يومها.
القضية التي فجرتها دورة ألعاب اتلانتا العام 1996 تتلخص في أزمة (عمالة الأطفال) التي يناضل العديد من الجهات والمنظمات على التصدي لها، حيث يشكل تشغيل الأطفال في سن مبكرة أو في سن التعليم الإلزامي أحد الوجوه البشعة للاستغلال الإنساني للأطفال، وأحد أبرز مظاهر الاعتداء على حقوق الطفولة باعتبار أن هذه السن أولاً: هي سن التعليم الإلزامي للطفل.
حيث يعتبر التعليم واحداً من أهم حقوق الأطفال التي يعاقب الوالدان في بعض الدول إذا توانيا في تقديمه لأبنائهما. وثانياً: لأن هذا العمر الصغير ليس عمر عمل على الإطلاق من حيث عدم قدرة الجسد على احتمال مشاق العمل، والحقيقة أن الأطفال يمارسون أعمالاً قد لا نتخيلها لقسوتها وبشاعتها ولا إنسانيتها.
إن تشغيل الأطفال مشكلة تنتشر في أغلب دول العالم النامي منه والمتحضر، فحتى الولايات المتحدة وفرنسا ودول غرب أوروبا تتخبط في هذا الوضع اللاإنساني تحقيقاً لمكاسب غير مشروعة إذا ما نظرنا إلى طبيعة الأعمال والوقت المستغرق والأجر المتدني المترتب على ما يؤدونه من أعمال أقرب للسخرة والاستغلال.
إن أيدي الصغيرات اللواتي يستخدمن في صناعة السجائر الفاخرة في هافانا وكذلك تلك الأنامل الرقيقة المفضلة في صناعة السجاد في باكستان وإيران وتركيا وهؤلاء الذين ينتجون للعالم أفضل كرات القدم وأيضاً الأطفال الذين يزج بهم في أعمال البناء الشاقة والمصانع الضخمة وغيرها.
هؤلاء كان يعتدى على حقوقهم دون تحرك من أحد سابقاً حتى بدأت الصرخات والصيحات وكان أهمها وأشهرها صرخة دورة ألعاب اتلانتا المعروفة سنة 1996 ضد مصانع كرات القدم في الباكستان.
وبعد ضجيج اتلانتا جاءت الثمرة النهائية بتوقيع أغلب دول العالم على ما يعرف باتفاقية «حقوق الطفل» التي وقعت عليها دولة الإمارات في العام 1996 ومعها وقع العديد من الدول لتكتمل منظومة الدول الموقعة ومنها الولايات المتحدة التي كانت معترضة لأسباب مختلفة.
وقد يستغرب بعضنا أن توقع دول العالم اتفاقية ملزمة تتناول وتؤكد حقوق الطفل، لكننا يجب أن نعي بأن للطفولة الحق في رعاية ومساعدة خاصتين لاعتبارات معروفة، ولأن ثمة ـ في جميع بلدان العالم ـ أطفالاً في ظروف صعبة للغاية وأن هؤلاء يحتاجون إلى مراعاة خاصة.
ثم إن هذه التأكيدات التي أثمرت اتفاقية حقوق الطفل عام 1996 قد ذكرت في إعلان جنيف لحقوق الطفل عام 1924 وفي إعلان حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة في نوفمبر 1959 والمعترف بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إن انتهاك حقوق الأطفال لا يتمثل فقط في تشغيلهم في سن مبكرة وفي أعمال شاقة فقط، حيث إن الانتهاك يتبدى في أمور عديدة ربما من الأفضل الحديث حولها وتعميمها ونشرها والتوعية بها بين فئات عديدة في المجتمع لأهمية ذلك على مستوى إعداد الطفل إعداداً سليماً ليحيا حياة إنسانية متمتعاً بكرامته وحقوقه حتى يمكنه القيام بمسؤولياته فيما بعد.
ولعل ما يتعرض له الطفل من إهمال في التربية من قبل الأبوين، والتهاون مع الجهات الإعلامية والتربوية وجهات عديدة تجارية فيما تبثه من سموم أخلاقية مؤثرة سلباً في تركيبته النفسية، ثم هذه القضايا المثارة في المحاكم والتي يذهب ضحيتها الأطفال دون أن يشعر بهم أحد، كلها يمكن اعتبارها اعتداء مباشراً على حقوق الطفل.
