عقب أعمال الشغب التي شهدتها ضواحي باريس سنة 2005 كتبنا مقالا في هذه الصفحة قلنا فيه ان هذه الأعمال ستتكرر إذا لم تقم السلطات الفرنسية باستئصال أسبابها وإذا لم تقدم الحلول الناجعة للمشاكل التي يعاني منها شباب الضواحي. السلطات الفرنسية قدمت الوعود آنذاك ولم تفعل شيئا وبذلك بقيت الأسباب التي أفرزت نفس الظاهرة.

وها هي فرنسا تعود من جديد إلى كابوس شغب المناطق الفقيرة الذي يطاردها من فترة إلى أخرى والذي يكشف عورتها المتمثلة في فشلها في إدماج الأقليات والأعراق والديانات المختلفة التي تعيش على أراضيها.

في سنة 2005 وبعد ثلاثة أسابيع من أعمال العنف والشغب احتجاجا على وفاة شابين من أصول مغاربية صعقا بالكهرباء عندما كانا يختبئان من الشرطة في ضاحية من ضواحي باريس، قدم المسؤولون الفرنسيون.

ومن بينهم وزير الداخلية آنذاك والرئيس الحالي نيكولا ساركوزي مجموعة من الوعود والحلول لتحسين الظروف المعيشية الصعبة والحد من التمييز والتفرقة التي يعاني منها شباب الأقليات في الضواحي الفقيرة المختلفة في فرنسا حيث ان معدلات البطالة تبلغ خمسة أضعاف المعدل الوطني. النتيجة كانت بعد هذه الأعمال أن المجتمع الفرنسي تحرك.

كما تناوب الباحثون والمحللون وعلماء الاجتماع وعلماء النفس على منابر القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام لتحليل الظاهرة والبحث في أسبابها وانعكاساتها. جاءت الوعود كبيرة وعديدة ومتنوعة لضخ الأموال في هذه الضواحي ومساعدة الشباب على الاندماج والعيش عيشة كريمة طبيعية.

بعد مرور سنتين لم يتغير شيء وبقي شباب الضواحي يعاني من الحرمان والفقر والبطالة والتهميش. وتوقفت الوعود ودراسات وتحليلات علماء الاجتماع وعلماء النفس الفرنسيين وأعاد التاريخ نفسه حيث قضى شابان مغربيان في عملية تصادم دراجتيهما النارية بسيارة للشرطة.

وكالعادة جاءت السلطات لتقف عند مشكلات الشغب وجاءت لتنظر لهؤلاء الشباب على أنهم حثالة وشباب متهور غير مسؤول فشل في حياته وهو مسؤول عن الوضعية التي يعيشها.

الرئيس الفرنسي ينظر إلى شغب الضواحي على أنه مشكلة عابرة وتهم حفنة من المتهورين والمشاغبين والحثالة على حد قوله. والحقيقة أن المشكلة أكبر وأعمق من ذلك بكثير.

فشعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا تواجه تحديات كبيرة جدا في أرض الواقع حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يقر بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراق والديانات والأقليات.

فالتاريخ يقول ان رجالا من دول مختلفة وخاصة مستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا والقارة السمراء وغيرها شاركوا في صفوف الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى وساهموا في تحرير الدولة الفرنسية من نازية هتلر واكتساحه البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية.

لكن فرنسا اليوم لا تعترف بهذا الجميل حيث انها تعامل أبناء وأحفاد الرجال الذين حرروا وشيدوا على أنهم أشخاص من الدرجة الثانية أو الثالثة وأنهم لا يمكنهم بأية حال من الأحوال أن يكونوا فرنسيين. وزير الداخلية الفرنسي في 2005 «نيكولا ساركوزي» والرئيس الحالي قدم مشروع قانون «الهجرة المختارة» قانون يتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان ومع المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية.

أعمال الشغب في الضواحي الفقيرة من قبل شباب المهاجرين العرب والأفارقة تعبر عن فشل فرنسا في إدماج الجيل الثاني والثالث من أبناء رعايا مستعمراتها السابقة والذين يعتبرون فرنسيين حيث انهم وُلدوا في فرنسا وتربوا وترعرعوا فيها ويحملون الوثائق الرسمية الفرنسية. لكن رغم الوعود والشعارات ورغم الادعاءات العديدة فشل المجتمع الفرنسي في إدماج الجاليات المختلفة التي اختارت فرنسا أرضا لتعيش فيها.

ففرنسا التي تدعي الحرية والمساواة والاخوة غير جاهزة وغير مستعدة لقبول الآخر وفشلت في إدماجه رغم أنها طلبت منه أن يذوب في المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسية من خلال سياسة الاندماج التي فرضتها عليه.

فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الكبير في عملية إدماج الآخر.

فقانون «الهجرة المختارة» على سبيل المثال يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في إفريقيا وارجاء أخرى من العالم في عملية تحريرها من النازية وفي عملية البناء والتشييد.

وهم المساواة وواقع التمييز يعكس أطروحة منظر الإمبريالية الفرنسي «جول فيري» الذي قسم الشعوب والأمم إلى شعوب متحضرة ومتفوقة خُلقت لتقود شعوبا وأمما أخرى متخلفة وجاهلة وغير قادرة على إدارة وحكم نفسها بنفسها.

قانون الهجرة المختارة وأعمال الشغب التي عاشتها فرنسا مؤخرا مؤشرات تعكس أزمة ضمير وأزمة في العلاقات بين الشعوب والأمم والديانات والحضارات. فرغم التطور المادي والتكنولوجي الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة، ما زالت المنظومة الدولية تعاني من غياب التسامح والتفاهم والحوار واحترام الآخر بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه ومعتقداته.

شغب الضواحي الفرنسية مرض مزمن يختفي ثم يظهر فجأة وما دام أن فرنسا لم تجرؤ على مواجهة المشكلة بطريقة موضوعية ومنهجية ومسؤولة، فشغب الضواحي سيبقى وللأبد ما دام أن أسبابه قائمة وموجودة.

ففرنسا الرسمية لم تحدد معالم واضحة للتعامل مع مشكلة إدماج الجاليات التي تعيش على أرضها خاصة وان الشباب الذين تظاهروا هم أبناء فرنسا وُلدوا فيها والبعض منهم يمثل الجيل الثاني والثالث لمهاجرين شيدوا أمجاد فرنسا بعرق جبينهم وبتضحياتهم الجسام.

فهناك جدال كبير في الأوساط السياسية الفرنسية وأوساط صناع القرار، فمن جهة هناك اليمين الذي يطالب بالهجرة المختارة والاستبعاد المنظم للأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق شرعية، ومن جهة أخرى هناك اليسار الذي يرى أنه بإمكان فرنسا الاستفادة من الهجرة.

وبين هذا وذاك يدرك الملاحظ أن فرنسا لا تؤمن بشعارات وببعض المبادئ التي تقوم عليها حيث ان هناك فجوة كبيرة جدا بين شعار المساواة والعدالة وواقع التمييز الذي تعاني منه الجاليات في فرنسا.

يعيش في فرنسا اليوم أكثر من خمس ملايين مسلم وأكثر من أربعة ملايين من السود وأكثر من أربعة ملايين عربي. لكن هذا التنوع لا يعني الكثير لفرنسا الرسمية التي تنظر لهذه الجاليات والأقليات بعين الازدراء والاحتقار والتهميش والتمييز المنظم. فرئيس الحزب الوطني «جون ماري لوبان» يرى أن هذه الجاليات تشكل خطرا على فرنسا وهي سبب الأمراض الاجتماعية والبطالة، والجرائم وانتشار المخدرات.

فواقع فرنسا يقول ان هذا البلد بلد ملون ومتعدد الأعراق والأقليات والثقافات والديانات، لكن فرنسا الجمهورية الرسمية لا تؤمن بهذا الواقع وما زالت تعيش على غطرستها وعنصريتها وعملية تهميشها للآخر.

على عكس العديد من الدول المتقدمة والتي تعيش فيها شعوب من مختلف الأجناس والأعراق والديانات (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، أستراليا، نيوزيلاندا، كندا، معظم دول أميركا اللاتينية...الخ) فشلت فرنسا منذ أكثر من قرن من الزمن في إدماج وصهر هذه الجاليات في الجمهورية الفرنسية.

وما زالت فرنسا الرسمية تتخبط في أيديولوجية الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالآخر مهما كانت الظروف والاعتبارات. فالوثائق الرسمية تعترف بفرنسية ملايين المهاجرين من عرب وأفارقة ومسلمين، لكن فرنسا الرسمية تعتبر هذه الفئة غير فرنسية كليا وتبقى من الدرجة الثانية أو الثالثة.

والأخطر في هذه القضية هو النخبة المثقفة الفرنسية والمفكرون الفرنسيون الذين يصرون على التفوق العرقي والثقافي الفرنسي ما عدا قلة قليلة من اليسار التي تحاول بكل ما أُتيت من قوة تصحيح هذه النظرة لكن بدون جدوى.

فرنسا الجمهورية الرسمية يجب أن تعترف بالأمر الواقع ويجب أن تعيش على غرار الشعوب المتطورة والمتحضرة والتي تؤمن بحوار الثقافات والديانات والحضارات والتفاهم واحترام مختلف الشعوب والأمم بغض النظر عن اللون والدين والعرق والأصل.

ظاهرة الشغب تتطلب الوقوف عند أسبابها بجدية والتزام وتحديد مسؤولية كل طرف وتطبيق الحلول الناجعة في الميدان بعيدا عن الوعود والشعارات الجوفاء لأن إذا استمر الوضع على هذه الحال فإنه يؤدي إلى المزيد من أعمال الشغب والمظاهرات والمسيرات والاحتجاجات.

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة