بعد عدة محاولات شخصية وودية لاستقاء بعض الإحصائيات والبيانات البسيطة عن عدد المتقاعدين عن العمل في الدولة، وعن حجم اليد العاملة التي هاجرت إلى الدولة خلال نفس الفترة، بغرض استخدامها في تأييد النتائج التي قد يتوصل إليها هذا المقال.

وبعدما تحطمت كل تلك المحاولات على صخور السرية والبيروقراطية في المصادر الرسمية لتلك البيانات، كان عليّ إما استخدام بيانات قديمة، أو الإبحار بدون تلك المؤونة الأساسية نحو هذا الأفق الذي يغيب عنه الكثير من وضوح الرؤية والمنهجية.

الملفت للنظر أن شيئا ما ـ لا يفسره منطق الأمور ـ يحدث في سوق العمل، فمع أن فرص العمل تتزايد بطريقة المتواليات الهندسية، ومع أن الإمارات واحدة من أفقر الدول في مواردها البشرية المحلية، ومع أن تركيبتها السكانية مهددة بالتشوّه وليس الخلل، إلا أن عدد المواطنين الذين يتقاعدون من العمل بملء إرادتهم أو لظروفهم الصحية أو لبلوغهم السن القانونية للتقاعد أو لتعسف جهة العمل في استخدام حقها في إحالة الموظف للمعاش، يبقى بكل المقاييس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجديفا ضد التيار وضد العقل وضد المصلحة القومية.

لقد تحول التقاعد أو الإحالة إلى المعاش من الوظيفة الحكومية بسبب ضيق الأفق عند الأفراد - وهي العدوى التي انتقلت إلى أصحاب القرار - إلى قضية شخصية بحتة، دون إعطاء أي وزن للاعتبارات القومية والاستراتيجية، وفي الحقيقة تحوّل إلى حيلة أو حُجة قانونية وإدارية يلجأ إليها طرفا علاقة العمل لإنهاء زواجهما الوظيفي.

بطريقة هي أشبه بالقطيعة والجفاء منها إلى بلوغ المحارب المدى الذي يستريح فيه من سفره الطويل والشاق مع الوظيفة وأعبائها؛ فالموظف يستخدم هذه الحيلة عندما يطمئن إلى اكتمال الشروط القانونية لاستحقاقه المعاش التقاعدي، فيرى أن الأوان قد آن لكي تدفع هيئة المعاشات تكاليف نفقاته الشهرية دون الحاجة إلى بذل مزيد من التعب والعرق؛ أما جهة العمل فتستخدم هذه الحيلة للتخلص من الموظف غير المرغوب فيه ولو كان في قمة نضجه المهني وعطائه الوظيفي وحيويته الذهنية.

وفي هذا الصراع الصامت الذي يستمتع به كل من الضحية والجلاد، ويتفقان سلفا على نتائجه المدمرة لكليهما، تثخن جراح الوطن ويتمادى نزيفه؛ فالمواطن يتخلى بكل سذاجة عن مسؤوليته والتزامه الوطني، ويرضى بالتحول من شعلة للنشاط والإنتاجية إلى نزيل في مصحّة بيته.

ملقيا بخبرات السنين التي امتطى ظهر صيفها وشتائها حتى بلغ بها سن المعاش إلى قمامة الكسل والتقوقع، ليهدر بعد ذلك الساعات والأيام مما تبقى من الأجل أمام شاشة التلفاز التافهة أو بين أوراق الصحف الصفراء، أو في إتلاف عرق السنين في السياحة والسفر، ظنا منه أنه يملأ بها فراغه القاتل، وهو في الحقيقة يتآكل ببطء، أو يموت قاعدا على طريقة الأفيال.

وعلى الجهة المقابلة تدأب جهات العمل في إهدار ثروة الوطن من المعرفة والخبرة والطاقات النادرة بإحالة الموظف إلى المعاش، إما لقبض قيمة فاتورة الخلافات الشخصية في أغلب الأحيان، أو بسبب غياب الأساليب المنهجية والموضوعية لتقييم الكفاءة التي تقرر صلاحية الموظف للاستمرار في الوظيفة من عدمه، أو بحُجة تجديد الدماء التي داهمتها الشيخوخة بأخرى شابّة؛ ثم تقع المفارقة بعد ذلك عندما يجاء بأنصاف المتعلمين والمبتدئين بل والمحالين إلى المعاش في بلدانهم وراء البحار أو من هم على حافة الخَرَف ليتسلموا زمام المسؤولية.

وليتقاضوا مقابل جهد وإنتاجية وولاء لا تعادل فتات ما كان يقدمه الموظف المتقاعد أضعاف ما كان يتقاضاه من الأجر، ولأنني لم أقع على الأرقام التي طلبتها فإنني أعتذر عن إعطاء صورة هي أصدق دلالة على مأساوية هذه المفارقة أو ربما المهزلة.

في ظل هذه الفوضى أو التخبط أو الجهل بأبجديات استثمار رأس المال البشري، ألا توجد قاعدة يمكن الاحتكام إليها قبل الإقدام على اتخاذ القرار؟ بلى، إنه معيار كمية الجهد الوظيفي الذي يعتبر مخرجات الموظف من الإنتاج البدني والذهني والمادي كمدخلات للمؤسسة، وفي المقابل فإنه يعتبر مخرجات المؤسسة من الأجور والمزايا المالية والنقدية كمدخلات مادية للموظف.

فإذا كانت مخرجات أي من الطرفين متكافئة مع مدخلاته، فمعنى ذلك أن كلا الطرفين في حاجة ماسة إلى التمسك بالآخر والإبقاء على علاقة العمل، أما إذا كانت مخرجاته تفوق مدخلاته فإن حالة الاختلال هذه تستوجب التفكير في البديل اللائق.

ولأن الموظف هو الطرف الأضعف في علاقة العمل، فإنه يتحمل مسؤولية استخدام هذا المعيار لقياس اللحظة الحقيقية التي يصبح فيها عطاؤه ومجهوده الذي يقدمه للمؤسسة (مخرجاته) لا يتناسب مع مستواه المعيشي مقاسا بالعائد أو الأجر الذي يحصل عليه (مخرجات المؤسسة)؛ هنا يتحتم عليه التحلي بالشجاعة والجرأة الكافيتين إما بالبحث عن فرصة وظيفية جديدة يتوافر فيها شرط تساوي طرفي المعادلة، وإما باتخاذ قرار استقلاليته وفك اعتماديته على الراتب الشهري ليبدأ تكوين أو تأسيس مصدر رزقه الخاص بالإضافة إلى معاشه التقاعدي أو بدونه.

إن استقلالية الموظف بمصدره الخاص للرزق وتحوله من فرد إلى مؤسسة ليس أنانية ولا جشعا، إنه في الواقع إعلان ميلاد لخلية إنتاجية مضافة إلى عجلة الاقتصاد، وهو استثمار لقدرات الأفراد ومواهبهم التي لم تنجح جهات العمل في إطلاق سراحها بأعلى طاقة إنتاجية، وهو تقوية لجانب اعتمادية المجتمع على كفاءة أبنائه لاستثمار الفرص الكامنة وتطوير الخدمات وابتكار الأفكار وصولا إلى مرحلة اختراق الأسواق الخارجية.

ولكن، هل الكلّ يحمل قلب أسد ليغامر؟ وهل يوجد في موجة التضخم والغلاء الفاحش التي تأكل الأخضر واليابس موظف عادي يقدر على ادخار شيء من شحم الشتاء ليستخدمه كرأسمال تأسيسي لمشروعه الحلم؟ إذن ماذا يفعل من لا حيلة له؟ هناك طريقان:

الطريق الأولى، أن يهيئ الموظف نفسه نفسيا لمرحلة التقاعد قبل حلولها بعدة سنوات، بحيث يفكر أثناءها جديا في المسارات التي يمكنه أن يوزع جهده فيها حتى لا يقع فريسة سهلة المنال في براثن اليأس والملل وفقدان الثقة بالنفس.

وهذه المسارات متعددة ويستطيع أن يركز جهده ووقته على أحدها أو أن يوزعهما على أكثر من مسار، كمجالات العمل التطوعي والهواية الشخصية والعلاقات الاجتماعية والأسرية وغيرها من المجالات التي لو أحسن الشخص المشاركة فيها لوجد أن الوقت لا يتسع لأكثرها.

الطريق الثانية، أن تتبنى الحكومة من خلال أجهزتها المختلفة أو بالتنسيق مع مؤسسات النفع العام ووسائل الإعلام برنامجا طموحا لاستغلال كفاءات المتقاعدين وخبراتهم والاستفادة منهم كمستشارين وخبراء ومتخصصين في مجالاتهم المهنية والفنية.

وتكليفهم إما بأعمال لجان أو بإعداد دراسات تخصصية أو بتقييم دراسات معدة من جهات خارجية أو بالعمل كمحاضرين في المؤتمرات والندوات، أو ربما بإعادة توظيفهم لإنجاز مهام لا تحتاج إلى العمل المكتبي.

أو مهام تكسبهم مهارات مهنية وحرفية لها طابع المتعة والإنتاجية؛ وكما نجحت المؤسسات العقابية في سياسة إصلاح المسجونين بأسلوب التأهيل الحِرَفي، فإن المتقاعدين الذين تسجنهم جدران بيوتهم هم أولى ببرنامج للتأهيل والتطوير المهني والحرفي يعيدهم ثانية إلى دورة الحياة والإنتاج والإبداع والعطاء.

هناك إذن العديد من المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة، كمفهوم سوق العمل والتقاعد وتعويضات المعاش والمتقاعد؛ فسوق العمل في الأساس احتكار لأبناء هذا الوطن.

أما أن يكون الاستثناء هو القاعدة مجاراةً لهوى مجتمع الأعمال الذي يريد رياحا تجري دائما بما تشتهي سفنه، فهذا مفهوم يجرّد المجتمع من أهم عوامل قوته ويهتّك نسيجه؛ وأما التقاعد فإنه ليس اقتلاعا للموظف من بيئته ولا نفيا له من مجتمعه، لهذا يجب أن يتغير مفهوم التقاعد ليصبح مرحلة انتقالية إلى حياة إنتاجية جديدة وبالتالي إلى مهارات جديدة.

وأما تعويض التقاعد فإنه ليس صدقة أو إحسانا تمنّ به هيئة المعاشات على الموظف، بل هو سداد مدخرات الموظف التي استثمرتها له الهيئة خلال سنوات خدمته، والتزام من الحكومة بتوفير الحياة الكريمة للمواطن، ولهذا يجب أن يتناسب مع الأعباء المعيشية في وقتها لا أن يتناسب مع آخر أجر كان المتقاعد يتقاضاه بتاريخ إحالته إلى التقاعد.

وأما المتقاعد فإنه ليس آلة انتهى عمرها الافتراضي ليجري إتلافها واستبدالها بأخرى جديدة، بل كان ويجب أن يبقى عضوا فاعلا في كل الظروف، وأن يعيش حياة ملؤها الثقة بالنفس ليتواصل فيها عطاؤه وإنتاجيته باتساق مع قيمته المعنوية في مرحلة التقاعد ما دامت منافذ حياته الجديدة غير مغلّقة في وجهه.

كاتب إماراتي

aalmutawa@dubdidb.gov.ae