لم يخرج مؤتمر أنابوليس عن المتوقع، ولم يستطع عبر أعماله وجلساته من أحداث اختراقات جوهرية، فقد انتهى الحفل الافتتاحي لمؤتمر أنابوليس متجهاً نحو خارطة الطريق الأميركية وتعديلاتها الإسرائيلية منذ أن قدمها الجنرال أرئيل شارون، باعتبارها المرجعية النهائية ليس للحل المؤقت، بل باعتبارها المبتدا والمنتهى!...

فذهبت بالمبادرة العربية إلى الجحيم، وذهبت برفقتها القرارات الدولية والشرعية العربية، فرسمت في أنابوليس بداية الطريق ونهايته، لكن المؤتمر نجح نسبياً من زاوية ثانية، عبر شد انتباه العالم بأسره إلى مركز الاستقطاب في الولايات المتحدة بعد سنوات عجاف مضت من فشل السياسة الخارجية الأميركية في معالجة الملفات الساخنة في العالم، والشرق الأوسط على وجه التحديد، ولتحسين صورة إسرائيل الدولية وفتح أبواب دول عربية وإسلامية أخرى أمام التطبيع معه.

ومع هذا الانجاز للجانبين الأميركي والإسرائيلي، فشلت الجهود الأميركية في تثمير لقاءات أنابوليس لصالح إجراء حملة تطبيع عربية إسرائيلية شاملة، فالعرب الذين حضروا إلى أنابوليس وفق تكتيكات أو «ضرورات» لم يصافحوا ولم يجبرهم أحد على المصافحة، وظلوا على موقفهم من أن تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية رهنا بإنجاز سلام شامل على كل المسارات وفقا لما أكدته المبادرة العربية، ولم يقدموا تنازلات شفهية أو مكتوبة تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية.

في حفل الافتتاح، نلحظ ثلاثة خطابات بالمعنى السياسي والتفاوضي، أولها خطاب الانحياز والابتعاد عن النزاهة، الذي أطلقه الرئيس جورج بوش الابن باتفاق وتناغم مع مبعوث الرباعية طوني بلير.

وثانيهما خطاب الإجماع الإسرائيلي الذي أطلقه أيهود أولمرت، وهو خطاب صقري بامتياز يختفي تحت عباءة مراد السلام، خاطب فيه أولمرت الفلسطينيين أولاً مبتدئاً بالإشارة إلى «الإرهاب الفلسطيني ومنظمات الإرهاب الفلسطينية»، يدغدغ المشاعر من أجل ثلاثة أسرى إسرائيليين لدى حزب الله وحركة حماس، ومطالباً العرب الحاضرين بضرورة التطبيع الفوري مع إسرائيل.

وداعياً لهم بالمزيد من الخطوات كشرط وضرورة للسلام ومشجعاً لهم على إطلاق المزيد من المبادرات، ومتسلحاً بوفد إسرائيلي ائتلافي من يحمل تفويضاً من الكنيست وبين ثناياه وتوابعه جنرالات من زبدة الطرف والإرهاب في الدولة العبرية، مستجيباً للضغوط الداخلية التي تعرض لها من شركائه داخل ائتلافه الحكومي ومن باقي الأحزاب الإسرائيلية.

وفي مقدمتهم وزيرة الخارجية والشخص الثاني في حزب كديما تسيبي ليفني، ورئيس حزب العمل وزير الدفاع أيهود باراك، ورئيس حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني المتطرف وزير التهديدات الاستراتيجية أفيغدور ليبرمان. فقد عارض هؤلاء، انطلاقاً من رؤى متباينة، رفع السقف السياسي للنتائج المفترض صدورها عن المؤتمر.

فضلاً عن استجابته وتناغمه مع تحذيرات المؤسسة الأمنية من أن «الفلسطينيين غير ناضجين» للتوصل إلى اتفاق، فأولمرت سيذهب على الأرجح إلى خيار بدء المفاوضات بعد «اللقاء الدولي في أنابوليس»، رافضاً تحديدها في إطار زمني وساعياً إلى إنجاز «اتفاق رف» يكون تنفيذه مشروطاً بتطبيق الفلسطينيين استحقاقاتهم في «خريطة الطريق».

وثالثهما خطاب الرئيس محمود عباس، وهو خطاب «المبالغة في الواقعية»، خطاب سلامي شديد الحمائية، اتسم بالمجاملات الفائضة، وتجنب تناول قضايا اللباب في الصراع العربي الفلسطيني / الإسرائيلي مجمل القضية الفلسطينية بجوانبها الأساسية وبتحديدات واضحة : اللاجئون، القدس، الحدود، السيادة، وفلسطينيو 1948.

وهي القضايا المستهدفة أصلاً في لقاء أنابوليس، وماداً اليد دون شروط للشريك الإسرائيلي، مع رفضه المسبق لمد يد الحوار إلى الأخ والشقيق الفلسطيني ، ومشيراً بلفتة واضحة الفلسطينيين في غزة في إيحاء سياسي يحمل معاني سلبية تحريضية من على منبر أنابوليس تجاه حركة حماس، بدلاً من الإشارة بلفته صارخة إلى مايجري من حصار إسرائيلي مضروب على القطاع بأسره، وتوالد المعاناة الإنسانية، وتواصل عمليات القتل الإسرائيلية هناك .

أما وفده التفاوضي فكان كما الحال الفلسطينية، وفداً منقوصاً لا يمثل أي من هيئات ومؤسسات التمثيل الكياني الفلسطيني، خصوصاً وأن الدعوة لم توجه لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المرجعية التمثيلية لكل الشعب الفلسطيني بل وجهت الدعوة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن فقدانه التفويض الائتلافي إن كان من منظمة التحرير الفلسطينية أو من المجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي، فذهب وحيداً إلى أنابوليس ومن خلفه التفكك والانقسام في البيت الفلسطيني.

إن الذهاب الفلسطيني الرسمي إلى أنابوليس، في ضوء التفكك الفلسطيني الداخلي ودون استناد لوحدة الإرادة والموقف جعل بالضرورة من خطاب أبو مازن خطاباً عائماً في مواجهة خطابي الانحياز الأميركي والعنجهية الصهيونية، ومن وفده وفداً ضعيفاً أمام الموقف الإسرائيلي وأمام لغة المطالب الأميركية، فالرئيس عباس هو الأكثر ضعفاً بين الحضور، لدرجة أن أيهود أولمرت أعاد تكرار متوالية قديمة بنمط جديد عنوانها «الآن يوجد لدينا شريك. لكنه شريك ضعيف، لا قدرة له، لم يبلور بعد الأدوات وربما لن ينجح».

أخيراً، إن الحوار الوطني الجاد والمسؤول هو السبيل الرئيسي للخروج من المأزق الخطير الذي تعيشه الحركة الوطنية الفلسطينية، حواراً يستعيد الوحدة ويصلب من تماسك الجبهة الداخلية الفلسطينية على أساس الشراكة السياسية الكاملة وفقاً لمبدأ تكامل الأدوار باعتبار أن انجاز المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج إلى جهود كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.

كاتب فلسطيني ـ دمشق