يثير الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، منذ وصوله إلى الحكم في الثاني من فبراير 1999 وحتى الآن، العديد من الانقسامات حوله ما بين مؤيد ومعارض. وترتبط تلك الانقسامات بطبيعة القضايا الساخنة التي يعرض لها شافيز، والتي يأتي في مقدمتها موقفه الحاد والعنيف من الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى تبنيه للنهج الاشتراكي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، ومؤازرته التي لا تلين للفقراء. وهي قضايا تثير الكثير من الجدل في الحاضر والمستقبل، كما أثارت أيضاً في الماضي.

ورغم أن منصب الرئاسة يرتبط بالهدوء والكياسة التي غالباً ما تكون شكلية أكثر من أي شيء آخر، فإن شافيز لم يراع أياً من تلك الشكليات في هجومه المتواصل على الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول العالم المتحالفة معها.

بل إن الأمر يتحول في الكثير من الأحيان إلى شكل أقرب للكوميديا والتندر أكثر ما يرتبط بعالم السياسة وقضاياها المختلفة، مثلما حدث مع ملك إسبانيا حديثاً.

وأغلب الظن أن الكثير من قادة العالم يسعدهم ما يقوله شافيز، وإن كانوا لا يجرأون على التصريح بذلك، ناهيك عن مؤازرة ما يقول.

وهذه النوعية من الرؤساء الذين يمثلهم شافيز تتسم بدرجة كبيرة من التجييش الأيديولوجي، وهم لا يقبلون أن يهادنوا أو حتى أن يساوموا على ما يؤمنون به ويدعون إليه ليل نهار.

أغلب الظن أنهم يقامرون بمبادئهم حتى آخر مقولة، وحتى آخر نفس في حياتهم. ورغم حسن نيات هذه النوعية من الرؤساء فإنهم غالباً ما ينهون مشاريعهم الرئاسية بنتائج بعيدة تماماً عما كانوا يدعون إليه ويطرحونه في برامجهم السياسية. فهذه المشاريع تنطلق من صدام بنيوي حاد فيما بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، وبشكل خاص بين الأغنياء والفقراء.

ولعل السياسات الاجتماعية التي انتهجها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تمثل مثالاً واضحاً على هذا النهج، رغم نواياه الحسنة، والتي هدفت في التحليل النهائي إلى تقديم شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية للفئات المحرومة.

علينا هنا أن نضع في اعتبارنا الحصار الهائل الذي تفرضه أميركا وحلفاؤها على مثل هذه النوعية من الرؤساء الذين يجرأون على معارضتها والتنديد بها في المحافل الدولية. وهو حصار يؤدي إلى مسألتين متلازمتين، أولهما إفشال المشاريع الاجتماعية والسياسية التي يدعو إليها هؤلاء الرؤساء، وثانيهما المزيد من العداء لأميركا والتشدد تجاهها.

واللافت للنظر هنا أن هاتين المسألتين تؤديان في النهاية إلى تحول هذا النهج الاشتراكي الذي يتبناه هؤلاء الرؤساء إلى نهج أقرب للديكتاتورية، وهو للأسف الشديد الوجه الذي ارتبط بالاشتراكية منذ ظهورها وحتى الآن، رغم توجهاتها الإنسانية والطوباوية في الوقت نفسه.

هل يقبل هؤلاء الرؤساء على تبني تلك السياسات العدائية ضد أميركا من ناحية وعلى مؤازرة الفقراء والمحرومين من ناحية أخرى عن قناعة وتبن أيديولوجي حقيقي، أم أن الظروف والتحولات السياسية المحيطة بهم هي التي تدفع بهم غالباً صوب هذه التوجهات والسياسات؟ الواقع أنه لا توجد إجابة محددة على هذا التساؤل، لكن علينا هنا أن نضع في اعتبارنا أن معظم هؤلاء الرؤساء قد أتوا من خلفيات عسكرية، ومن أصول اجتماعية متواضعة.

قد يبدأ الكثير من هؤلاء عن قناعة تستدعي مساعدة الفقراء، والعمل على تحسين ظروفهم الاجتماعية. كما أن الكثير منهم قد وصل إلى سدة الحكم، إما عن طريق أصوات الفقراء، وإما من خلال الاستفادة من زخم الخطاب السياسي المؤيد للفقراء، والذي ينتقل في الكثير من الأحيان من المستوى الإجرائي الحقيقي إلى المستوى الدعائي الديماغوغي.

كما أنه لا يمكن أن ننكر هنا أن الكثير من هؤلاء الرؤساء يتسم بنزعة مثالية لا تمت للواقع اليومي بصلة، ولا ترتبط بأوضاع السياسية والاقتصاد العملية.

غالباً ما يصل هؤلاء إلى سدة الحكم مغمورين بالأحلام العريضة، والطموحات الواسعة، لكن الأحلام والطموحات شيء والواقع شيء آخر. فمن أكثر الأمور الموجعة في الواقع اليومي أن الفقراء والطبقات المحرومة لا يُعتمد عليهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. فهم من أكثر الفئات الاجتماعية هشاشة وتفككاً وانتهازية.

ولا ينبع ذلك عن طبع متأصل فيهم، وسمات بيولوجية تشمل بنياتهم العقلية والفكرية، بقدر ما ينبع من الظروف والأوضاع الاجتماعية الفقيرة التي عايشوها لفترات تاريخية طويلة. في المقابل فإن الأثرياء والرأسماليين أكثر تنظيماً وأكثر قوة وأكثر قدرة على تغيير الواقع السياسي وتوجيهه كيفما يحلوا لهم.

يهتم الفقراء بلقمة العيش، حيث يلهثون ليل نهار من أجل الوفاء بالحدود الدنيا التي تؤمن لهم العيش البيولوجي، لذلك فهم لا يهتمون بالسياسة وخطاباتها المختلفة. حتى وهم يتبنون تلك التجارب الاشتراكية التي تعلنها هذه النوعية من الرؤساء أمثال شافيز، فهم يتبنونها ليس كخيار استراتيجي، لكن كخيار يؤمن لهم لقمة العيش وبعض المنافع المباشرة.

فالفقراء ليس لهم مشروع استراتيجي مثل الأثرياء الذين يصبرون ويثابرون من أجل فرض مشروعاتهم الاقتصادية والسياسية التي تحقق لهم مصالحهم الضيقة وتطيح بالبرامج الاجتماعية المكفولة للفقراء.

ومن اللافت للنظر هنا أن الفقراء هم أول من يوجهون ظهورهم نحو تلك المشاريع الاشتراكية التي يتبناها بعض الرؤساء من أجلهم، فمن خلال سهولة تفككهم واهتمامهم بالحياة اليومية يسهل التلاعب بهم، ويسهل توجيههم نحو تحالفات سياسية بعيدة تمام البعد عن مصالحهم البعيدة المدى.

وربما تكشف الانتخابات الكثيرة التي تحدث في العالم العربي عن أن أكثر من يسهل شراء أصواتهم هم الفقراء والمحرومون، حيث يضربون من يدافعون عنهم في مقتل نظير مكاسب وقتية سريعة.

تنتهي مشروعات هؤلاء الحالمين الاشتراكيين من أمثال شافيز إلى الاصطدام بتلك الحقائق المؤلمة، وعلى رأسها تحولات الفقراء، الأمر الذي ينتهي بهم إلى التحول إلى الديكتاتورية وفرض التشريعات الجديدة التي تؤمن لهم استمرارهم في سدة الحكم. وبرغم الجوانب حسنة النية لشافيز فإنه على ما يبدو يتجه نحو الديكتاتورية مديراً ظهره نحو الوجه الإنساني والمشرق للاشتراكية.

وبالتأكيد فإن شافيز لم يكن يتوقع بأي حال من الأحوال أن يخسر الاستفتاء حول التشريعات التي هدف من ورائها إلى رئاسة فنزويلا مدى الحياة.

وبرغم اعترافه بهزيمته، إلا أنه ما زال لا يعي أهمية أن ينسى كرسي الحكم، وأن يكرس سنوات حكمه المقبلة من أجل توسيع مساحة البرامج الاجتماعية التي تصب في مصلحة الفقراء، وبالأخص من أجل توسيع مساحة الوعي والتعليم الخاصة بهم.

أعتقد أن هذا هو الأهم بالنسبة لشافيز الآن، حتى لا يؤدي إلى تضييع الشعرة القائمة بين الاشتراكية والديكتاتورية، وحتى يقدم نموذجاً مشرقاً للحلم الاشتراكي القادم وبقوة نحو أميركا اللاتينية.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com