على شعوب العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث أن تتأمل الفوز الكاسح لحزب الرئيس فلاديمير بوتين في الانتخابات البرلمانية الروسية. في غضون بضع سنوات فقط نجح بوتين في تحرير روسيا من «اقتصاد السوق» وإعادة الاعتبار إلى هيمنة الدولة على حركة الاقتصاد الوطني. وبكلمات أخرى انتقلت غالبية الشعب الروسي من البؤس إلى الازدهار خلال وقت قياسي دون إخلال بالنظام الديمقراطي التعددي.
منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى اليوم تتذكر فئات الشعب الروسي بأعلى درجات المرارة حالة الإذلال العام التي منيت بها روسيا في عهد الرئيس بوريس يلتسين خلال تسعينات القرن الماضي، كان ذلك عهد نهب موارد الاقتصاد الروسي على أيدي الشركات الغربية التي فتح لها يلتسين الأبواب على مصاريعها باسم اقتصاد السوق الحر.
بسعر التراب تملكت هذه الشركات المؤسسات المفتاحية للاقتصاد الوطني بعد أن أخرجها رجال يلتسين من سيطرة الدولة باسم برنامج الخصخصة. وكانت النتيجة انتشار الشظف المعيشي بين الأفراد والأسر وتفشي البطالة والمرض والتسول والدعارة.
بإيجاز تحولت روسيا في عهد يلتسين إلى مستعمرة غربية من حيث الاستغلال الاقتصادي والتبعية السياسية، ورغم أن التحرر الاقتصادي الذي تحقق في عهد بوتين وما أفرز من إعادة بناء للاقتصاد بعد أن استرد جهاز الدولة سيطرته على المؤسسات المهمة يعتبر الانجاز الأعظم لهذا العهد إلا إن الإنجاز الآخر الذي لا يقل أهمية هو أن بوتين استرد للشعب الروسي أيضاً كرامته الوطنية بانتهاجه سياسة التعامل مع الغرب على أساس التكافؤ مما أتاح لروسيا استعادة دورها كلاعب مهم في ساحة الصراع الدولي.
منتقدو بوتين في الغرب يقولون انه ضحى بالديمقراطية بإحكام قبضته على جهاز الحكم. وهذه مبالغة قصد بها الإساءة والتشهير بزعامة أصبحت تشكل تهديداً للغرب، بعد أن أخذت روسيا تستعيد نفوذها في أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط كقوة دولية يحسب لها حساب.
وهذا بالضبط ما يعنيه المسؤولون الأميركيون والقادة الغربيون عموماً عندما يقولون إن بوتين يريد إعادة إحياء أجواء الحرب الباردة، والواقع الداخلي في روسيا يكذب مبالغات الغرب بشأن النظام الديمقراطي. فأولاً لم يعد لنظام الحزب الواحد وجود في روسيا، فهناك تعددية حزبية تتيح لأحزاب المعارضة ممارسة نشاطها والتنافس في الانتخابات.
صحيح أن الرئيس بوتين اتخذ لمنصب الرئاسة صلاحيات إضافية تتيح للرئيس إحكام قبضته على السلطة. لكن هذه الصلاحيات أجيزت دستورياً على مستوى برلماني، ثم إنها في معظمها صلاحيات ذات طابع اقتصادي ولولاها لما تمكن الرئيس بوتين من استعادة سيطرة جهاز الدولة على الاقتصاد عن طريق إلغاء إجراءات الخصخصة لتعيد الدولة الروسية فرض نفوذها على قطاعات الطاقة والصناعة والعمل المصرفي.
وعلى أي حال فإن الأعمال بخواتيمها. فخلال السنوات الثماني منذ أن تولى بوتين زمام السلطة من يلتسين أخذ الاقتصاد الروسي يتنامى بمعدلات غير مسبوقة انعكست إيجاباً على المستويات المعيشية لغالبية الشعب الروسي، ومن خلال هذه التجربة يبرز تساؤل: كيف يمكن في بلد ما تحقيق بعث اقتصادي نوعي مع المحافظة في الوقت نفسه على نظام ديمقراطي تعددي يكفل الحريات الأساسية وسيادة القانون.
كما جرى في روسيا بوتين، إنه سؤال موجه إلى بلدان العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث عموماً، في معظم هذه البلدان تسيطر على السلطة أنظمة استبدادية بررت استيلاءها على الحكم ومصادرة الحرية بالعمل على توفير الخبز. وكانت النتيجة أن الشعوب فقدت الاثنين معاً.