فجأة يقرر الرئيس بوش ويعلن أنه يعتزم زيارة المنطقة؛ في مطلع العام المقبل. يأتي قراره بعد أيام من مؤتمر أنابوليس؛ وبعد يوم واحد من الكشف عن تقرير استخباراتي أميركي يؤكد بأن إيران أوقفت الجانب العسكري التسليحي من مشروعها النووي؛ منذ 2003. كما أنه يأتي قبل سنة من نهاية ولاية الرئيس وانضمامه إلى صف المتقاعدين.
هل لجولته الشرق أوسطية علاقة بهذه المحطات، منفردة أو مجتمعة؟ سؤال يفرضه التوقيت، فهو قضى في البيت الأبيض 7 سنوات، من دون القيام بمثل هذه الزيارة. علماً بأن المنطقة شهدت تطورات وأحداثا ساخنة وهامة؛ كان يمكن أن تحفزه على ما قرر القيام به في يناير القادم.
الرئيس الأميركي عادة في عامه الأخير من عمر إدارته، يلتفت إلى الخارج. ليس بالضرورة لتحقيق إنجازات أو اختراقات. ما لم يعمله في عزّ ولايته، لم يعد الوقت يسمح له ـ ولا الزخم ـ بإتمامه. هو يصوّب إلى الخارج، لأنه في الداخل يصبح «بطة عرجاء»، حسب التعبير الأميركي، خاصة إذا كان خصمه الحزبي، يمتلك الأغلبية في الكونغرس؛ كما هي الحال اليوم. وبالذات إذا كان رصيده يضرب الرقم القياسي في الهبوط، كما هو وضع الرئيس بوش؛ الذي تراوح شعبيته في حدود الثلاثين بالمئة.
إعطاء الخارج جزءا من وقته واهتمامه قبل مغادرة منصبه، يعطيه بعض التلميع لصورته. أو على الأقل هو يطمع بمثل هذا التلميع. خاصة عندما يأخذ تحركه الخارجي طابع الدبلوماسية الإنسانية؛ كالجولة الإفريقية التي يزمع الرئيس بوش القيام بها، بعد زيارته للمنطقة، في إطار العمل والجهود لمكافحة مرض الإيدز في القارة السوداء.
إشارات وتفسيرات واجتهادات، رأت أنه يستهدف أساساً من حضوره إلى المنطقة «دعم» المفاوضات وتزخيم ما حصل التوافق بخصوصه، في أنابوليس. فهو يتطلع إلى استمرار عملية التفاوض وبما يؤدي إلى نهايتها المرجوّة. أي قيام الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل. وكانت الوزيرة رايس قد كررت مثل هذا الكلام قبل وأثناء المؤتمر الأخير. دائماً هي تتحدث عن رغبة رئاسية في رؤية فكرة الدولتين، التي طرحها بوش منذ ولايته الأولى، وقد أخذت طريقها إلى حيّز التنفيذ.
المشكلة كانت ولا تزال في هذه الرؤية أنها بدون مشروع، يتم وضعه على الطاولة ثم يصار إلى العمل على نقل حلقاته، وفق أجندة مجدولة، من على الورق إلى الأرض، ولذلك مضت سنوات على هذه «الفكرة» من غير أن تغادر دائرة التمني. حتى لا نقول أقل من ذلك.
كما بقي الرئيس بوش ملتزماً بموقف مبدئي لم يتزحزح عنه؛ خلاصته بأنه «لن يفرض» أي شيء على إسرائيل. ربما يتمنى عليها أحياناً اتخاذ هذه الخطوة أو تلك. لكن من دون أن يعمل لحملها على القيام بذلك.
وقد كرر التزامه بهذا الموقف والسياسة قبل وأثناء أنابوليس. بل هو ذهب إلى أبعد من ذلك في التماهي مع إسرائيل؛ عندما سارع، بعد 24 ساعة فقط، إلى سحب مشروع قرار تأييدي وليس إلزاميا، من مجلس الأمن كانت إدارته قد تقدمت به غداة أنابوليس؛ لضمّ دعم المجلس، كهيئة دولية، إلى عملية التفاوض، التي اعتبر أنا بوليس أنه كان بمثابة الانطلاق لها.
وحصل التراجع هذا نزولاً عند رغبة تل أبيب التي أعلنت انزعاجها من إشراك الأمم المتحدة، حتى على شكل تأييد في المفاوضات، ثم قبل أن يجف حبر المؤتمر أطلقت إسرائيل عملية استيطان من جديد قرب القدس العربية من غير أن يصدر أي اعتراض عن واشنطن.
كل هذه التطورات والتراجعات لا تصبّ في ترجمة فكرة الدولتين. فهل في جعبة الرئيس غير هذه البضاعة أم أن زيارته رفع عتب وتمرين علاقات عامة قبل أن يغيب اسمه في عالم التقاعد؟
