يبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش لا يريد أن يتعظ من لعنة العراق، فيرجع إلى رشده وصوابه، ويلحق بركب المستفيقين من تلك اللعنة وصدمتها الذين ساندوه وساروا معه في درب الحروب والتدمير، والذين لم يكتشفوا أنه تم خداعهم وغسل عقولهم بمواد استخباراتية مفبركة، وإسبال غشاوة على أبصارهم وبصيرتهم بجبال من الكذب، إلا بعد أن غرزت عجلات قواتهم في المستنقع العراقي، فلم تَقْوَ لا على البقاء ولا على الخروج، وبعد أن هالهم مشاهد جنودهم وهم يتساقطون بين شوارع وأحياء مدن وقرى بلاد الرافدين، ومناظر أودية الدم ينزفها كل بيت عراقي، ويتبينوا أن ما ذهبوا إلى نزعه من أسلحة دمار شامل قادرة أن تضرب بلادهم في غضون خمس وأربعين دقيقة، كان كذبة أُخِذُوا بها على حين غرة ويتجرعون آلامها اليوم.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فها هو الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني يخالفان تقريرا استخباراتيا يمثل رأي ست عشرة وكالة مخابرات أميركية يؤكد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية عادت عن برنامجها النووي العسكري عام 2003، ويصر (بوش) في مؤتمر صحفي أمس الأول أنه لن يتراجع، قائلا "أعتقد أن تقرير المخابرات القومية يوضح أن هناك حاجة لأخذ إيران مأخذ الجد على أنها تهديد للسلام. ورأيي لم يتغير.. ما زلت على قناعتي الراسخة بأن إيران تشكل خطرا".

غير أن البارحة إذا كانت كفتها تميل إلى دعاة الحروب ومحبي إراقة الدماء ونهب الثروات، فنتج عنها ما نتج، فإن كفة اليوم تنبئ بأن السفن تتجه عكس ما تشتهيه رياحهم، وما يؤكد ذلك إدانة المرشحين الديمقراطيين الرئيسيين للانتخابات.

الرئاسية الأميركية "قرع طبول الحرب" ضد إيران من قبل الرئيس بوش، حاثين إياه باعتماد نهج الدبلوماسية بشكل جدي باستخدام العصا والجزرة سبيلا لتحقيق الحلول والرغبات، في حين أن لغة الحروب والتهديدات والحل العسكري وسائل لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وتأزيم الأمور، وهناك شواهد كثيرة تبرهن على أن الحل العسكري خيار غير سوي، وغير قادر على تحقيق أي انتصار سوى حصد المزيد من المآسي والدمار، ونشر العداوة والبغضاء بين الشعوب، والدفع نحو مزيد من سباق التسلح.

إن الإدارة الأميركية الحالية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بمراجعة قراراتها وتوجهاتها، وإعادة صياغة سياستها في تعاملها مع الدول والشعوب الصديقة وغير الصديقة، صياغة تعتمد لغة المقاربة في حل المسائل العالقة مع من يختلف معها، وتنأى عن الخيارات العسكرية لثبوت فشلها كحل، حفاظا على مصالحها الحيوية في المنطقة التي دفعت أثمانا باهظة من صراعات سابقة لم تجلب لها إلا الويلات وإفراغ خزائنها، وأن تأخذ بعين الاعتبار العلاقة التاريخية التي تربط بين دول المنطقة وشعوبها والقائمة على حب الخير والسلام والوئام ، وأن توقن أن الجيرة بينها قائمة منذ الأزل.

وليست هي وليدة الأمس أو جيرة مؤقتة تزول بزوال أسبابها ومسبباتها، كما أنها لم تكن تعرف مسميات أسلحة دمار وأسلحة تقليدية وغير تقليدية، بل كانت تطغى لغة الشعر والترحال دون حواجز أو حدود.

على الجانب الآخر على المسؤولين الإيرانيين أن يستثمروا تقرير المخابرات الأميركية، الذي وصفوه بأنه انتصار لهم، في تكثيف تعاونهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفتح منشآتهم للمفتشين وإبداء حسن نواياهم وتبديد الأجواء المشحونة، وإعطاء الرافضين للحل العسكري دفعة قوية للتمسك بمواقفهم نحو اعتماد الدبلوماسية حلا أوحد حتى يسقطوا، وإلى الأبد، كل الذرائع والحجج الإسرائيلية والأميركية ويعروا خطط قارعي طبول الحرب.