بعد مرور أيام فقط على صدور البيان الفلسطيني - الإسرائيلي المشترك في أنابوليس والذي تضمن التعهد بالبدء في مفاوضات الحل النهائي ضمن سياق من احترام الشرعية الدولية والتمسك بمبادئها ، وتحت رعاية أميركية تعهدت ببذل كل الجهود الممكنة لتحويل الكلمات إلى أفعال ، نفاجأ بأن الفعل الوحيد الذي حدث هو معاكس لكل المضامين في اجتماع أنابوليس.

قيام إسرائيل ببناء 307 وحدات استيطانية جديدة في جبل أبو غنيم في القدس الشرقية هو بمثابة تعطيل جذري لكل المحاولات الصادقة والحكيمة التي تتم لتحقيق السلام في المنطقة ، وهي إشارة واضحة لقلة الاهتمام الذي تحمله إسرائيل تجاه الجدية الدولية وبشكل رئيسي تجاه الرعاية الأميركية لمشاورات أنابوليس خاصة أن الإدارة الأميركية تعهدت بالمضي قدما في إقامة الدولة الفلسطينية وأعلنت رفضها لكل الإجراءات أحادية الجانب التي تمس بالوضع القائم تحت الاحتلال والمقصود بشكل واضح من هذه العبارة هي المستوطنات الإسرائيلية.

رد الفعل الإسرائيلي على الغضب الفلسطيني والعربي تميز باستفزاز غير مقبول دبلوماسيا إذ قال المتحدث الحكومي الاسرائيلي إن اسرائيل تميز بشكل واضح بين الضفة الغربية والقدس واضاف إن إسرائيل لم تقدم ابدا التزاما بتحديد من "سيادتها" في القدس ، وتنفيذ المرحلة الاولى من خريطة الطريق لا ينطبق على القدس.

إذا كان هذا هو الموقف الإسرائيلي فكيف يمكن أن نتوقع اي تقدم في مفاوضات أنابوليس طالما أن القدس وهي القضية الأساسية من قضايا الحل النهائي لا تعتبرها إسرائيل مطروحة للنقاش.

لعبة كسب الوقت لترسيخ واقع الاحتلال لن تحقق شيئا لإسرائيل سوى استمرار العنف والصراع فلن ينسى الفلسطينيون ولا العرب حقهم ، ولا مجال إلا للالتزام في عملية سلمية بنوايا حقيقية لانهاء الصراع بطريقة عادلة.

بالإضافة إلى الاستمرار في الغضب العربي فإن مثل هذه القرارات تساهم في إضعاف الموقف العربي المؤيد للسلام والتفاوض وتدهور الثقة الشعبية بكل الأدوات السياسية التي تحاول إعادة الحق الفلسطيني وتحقيق العدالة بالطرق السلمية وتغذي المزيد من الإحباط واليأس والتطرف.

للأسف لم تستمع الدول العربية ولا الفلسطينيون الذين شاركوا في أنابوليس بموقف موحد ومليء بالأمل والتوجهات الإيجابية ، لم تستمع إلى رد سياسي من الإدارة الأميركية يرتقي إلى مستوى التحدي الذي رفعته إسرائيل إلى كل المؤمنين بالعملية السلمية وأولهم الإدارة الأميركية نفسها والتي سوف تجد أن جهودها سوف تتعرض لتقويض إسرائيلي مبرمج ومنهجي وهي تصمت بدون أن تعيد الهيبة والاحترام لما تعهدت به أمام العالم.

الموقف الإسرائيلي العملي في أبو غنيم يختلف تماما عن الموقف السياسي العلني في أنابوليس من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت الذي أكد على ضرورة حل الدولتين ، حتى لو كان هذا التأكيد هو لمصلحة إسرائيلية بحتة ، إذ يبدو أن الحفاظ على وحدة موقف حكومي إسرائيلي متطرف بات أهم من الالتزامات المعلنة والتعهدات تجاه الإدارة الأميركية والدول العربية المشاركة في أنابوليس.

تقديم المصلحة السياسية لاستمرار الحكومة الإسرائيلية أهم بكثير عند الطرف الإسرائيلي من امتلاك الشجاعة الكافية للمضي قدما في عملية سلام يمكن أن تنهي الصراع في حال وصلت إلى مستوى العدالة المطلوب.

عودة إسرائيل إلى عقلية الحصار والانعزال واستفزاز كل الشعوب والدول العربية دليل جديد على عدم جدية الدولة العبرية في الوصول إلى حلول نهائية وحاجتها إلى استمرار النزاع الذي اصبح نمط حياة لدولة مبنية على العنصرية والاحتلال ولا يمكن لها أن تحقق أمنها إلا بإعادة الحقوق للشعب الفلسطيني في تسوية سلمية عادلة ومستدامة