«قال أحد الشهود، وهو راع لقطعان أيائل الرنة في النرويج وهو من الشعوب الناطقة بلغة سامي: تأخر الشتاء شهراً ونصف الشهر عن المعتاد، لقد لاحظنا طيوراً وحشرات ليس لها أسماء في لغتنا».

والشاهد - برواية البي بي سي 17 /11 - قد احضر مع آخرين إلى مؤتمر عقدته كبريات الشركات العالمية عقد في لندن مؤخراً وهدف إلى تنبيه المجتمعين في بالي باندونيسيا هذه الأيام بأخذ التأثيرات الضارة التي يسببها الإنسان لبيئته مأخذ الجد، وعلى رأسها ظاهرة الاحتباس الحراري.

وقد سبق الاجتماع الحالي الذي تنظمه الأمم المتحدة تحرك لأمينها العام بان كي مون، كان ذا دلالة رمزية، حيث قام بزيارة للقطب الجنوبي. وأهمية القارة القطبية الجنوبية - كما تقول البي بي سي في تقريرها للزيارة (10/11)- أنها تحتوي على 90 بالمئة من جليد الكرة الأرضية.

ومع بروز ظاهرة الاحتباس الحراري وتفاقمها، فإن هذا الجليد آخذ بالذوبان بصورة تنبئ بأخطار كبيرة، على وجه الخصوص للمناطق الساحلية المنخفضة. وعلى إثر تلك الزيارة، قدم بان كي مون تقريراً إلى علماء من مختلف الدول كانوا منهمكين في نقاشات حادة ومطولة في مدينة فالنسيا الاسبانية.

ويبدو أن ما كانوا بحاجة إليه للوصول إلى اتفاق هو تقريره الذي وضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية، إذ قال لهم: «أتيت إليكم بعد أن رأيت بعضاً من أثمن كنوز كوكبنا مهددة بأيدي البشر أنفسهم».

وأضاف: «على البشرية كلها تحمل مسؤولية تلك الكنوز». ولم يخيب المجتمعون ظن بان كي مون إذ أعلنوا أن التغير المناخي بات مؤكداً ولا مجال للتشكيك فيه، وإنه من المرجح، بنسبة تزيد على 90 بالمئة، أن يكون انبعاث غازات الاحتباس الحراري بفعل البشر، السبب الرئيس في تغير المناخ، وإن تداعيات ذلك يمكن تقليصها بتكلفة معقولة (البي بي سي 17 /11).

ويهدف مؤتمر بالي إلى وضع بدائل لبروتوكول كيوتو الذي وقع في العام 1997 من قبل 195 دولة. وقد فرض الاتفاق، على أكثر من 35 دولة صناعية، خفض نسب التلويث بمعدل خمسة في المئة بحلول العام 2012 بنسب العام 1990.

ويطالب بعض العلماء بتخفيض نسبة انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى معدل 50% لما كان عليه الوضع في العام 1990 إذا ما أريد المحافظة على مناخ الكرة الأرضية بشكل سليم. بيد أن الخمسة بالمئة تلك كانت وما زالت موضع جدل ولم توافق عليها الولايات المتحدة الأميركية بعد، وهي التي تنبعث من أراضيها ربع كمية الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

إذ إنها وافقت على الاتفاقية في عهد كلينتون دون أن تصادق عليها، أما في عهد الرئيس الحالي فقد انسحبت حتى من تلك الموافقة المبدئية.

وتتذرع الولايات المتحدة بعدم شمول اتفاقية كيوتو الصين والهند بوصفهما من الدول الرئيسية حالياً لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره، وأن هاتين الدولتين بفضل تساهل العالم معهما تحققان نمواً اقتصادياً مطرداً يكاد يفوق العشرة بالمئة سنوياً.

وتعتبر استراليا، وهي دولة أخرى لم توقع على اتفاقية كيوتو، من أكثر الدول تلويثاً للجو - بحسب موقع كرما (مراقبة الكربون من أجل القيام بإجراءات مناسبة) فمعدل حصة الفرد من انبعاثات الغازات من محطات الطاقة هي 10 أطنان في السنة، مقابل حوالي 8 أطنان للفرد الأميركي.

والسبب يعود إلى تدني كفاءة تلك المحطات مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة، والأخيرة تنفث 5 .2 مليار طن من الغاز في الجو سنوياً. ومحطات الطاقة هي من أبرز مسببي التلوث لما تحرقه من كميات ضخمة من الوقود الاحفوري بغية توليد الطاقة الكهربائية.

إن التغيرات المناخية أصبحت أمراً محسوساً الآن، وباتت آثارها المدمرة بادية للعيان، فحرائق كاليفورنيا الأخيرة، التي أحرقت الأخضر واليابس في منطقة واسعة من تلك الولاية، وأعاصير بنغلاديش وتلك التي ضربت المكسيك وغيرها، كلها علامات على دنو كارثة كونية كبيرة إن لم يتحرك العالم لدرئها، فمعدل الكوارث وحدتها ووتيرتها في ازدياد.

وعدم الاهتمام بالبيئة له مضار مباشرة على الاقتصاد، فقد أشارت جريدة النيويورك تايمز الأميركية (30 /10) إلى عزوف رجال الأعمال والشركات على فتح مكاتب لهم في بكين وشنغهاي بسبب تلوث الهواء، وتحاول السلطات الصينية جاهدة أن تعالج هذه المشكلة قبل الدورة الأولمبية القادمة.

ويعتقد بعض الخبراء أن قارة آسيا ستكون مسرحاً للدراما الإنسانية لظاهرة التغير المناخي، فنصف سكانها تقريباً يعيشون على مناطق ساحلية، بمعنى آخر أن ثلثي البشرية سيكونون على خط المواجهة الأول لمخاطر التغير المناخي. وبالطبع، مع ارتفاع منسوب المحيطات نتيجة ذوبان ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي ستغرق مناطق ساحلية شاسعة فضلاً عن اختفاء جزر كثيرة عامرة بالبشر في الوقت الحاضر.

ولا شك أن البشرية ليست مكتوفة الأيدي أمام ما يجرى لبيئتها الطبيعية، فقضية المحافظة على البيئة أصبحت واحدة من القضايا السياسية الساخنة المطروحة على لسان كل سياسي، فما إن فاز رئيس وزراء أستراليا الجديد في الانتخابات الأخيرة حتى كان أول تصريح له يتمحور حول القضية. وفي الولايات المتحدة ستكون هذه القضية من القضايا الأساسية ولعل حصول آل غور على جائزة نوبل سيحرك الاهتمام أكثر بها.

وثمة توجهات منذ مدة طويلة في ترشيد استخدام الكهرباء كما هو في كاليفورنيا، حيث إنها في ثلاثة عقود قد وفرت ما مقداره 56 بليون دولار من نفقات الطاقة تلك. ويقوم سكان مدينة سان فرانسيسكو حالياً وفي كل يوم سبت في الساعة الثامنة مساءً بإطفاء الأنوار غير الضرورية في مدينتهم، وهي المدينة السياحية التي تضم الجسر الذهبي المتلألئ والحي الصيني بأنواره الصاخبة. وهم يقومون بذلك خدمة للبيئة.

ونشرت صحيفة الأوبزيرفر اللندنية في الأول من هذا الشهر برنامجاً طموحاً لمخطط وضعه الاتحاد الأوروبي لإنفاق أكثر من 10 مليارات دولار لبناء سلسلة من المحطات العملاقة لتوليد الكهرباء مستخدمة الطاقة الشمسية في بلدان شمال أفريقيا، تسد ما مقداره سدس حاجة أوروبا.

وذكرت الصحيفة أن الطاقة الكهربائية ستنقل عبر كابلات تحت سطح البحر. وهذه المحطات ستقوم بتحلية مياه البحر بما يعود بالنفع على بلدان المنطقة التي هي أحوج ما تكون إلى مصادر مياه نقية.

أما البلد المضيف للمؤتمر فقد أراد أن يستقبل زواره بما ينسجم والحدث، وأيضاً بطريقة تمحي من ذاكرة مضيفه قطعه لملايين الأشجار في غابات جزره الثلاثة آلاف المتناثرة، إذ قررت الحكومة الإندونيسية القيام بحملة شعبية واسعة لغرس ثمانين مليون شجرة.

كاتب كويتي

moc.liamtoh@ifesuyla