تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي ينص على دعم الأمم المتحدة للعملية التفاوضية المرتقبة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل التي جرى الاتفاق على إطلاقها في مؤتمر أنابوليس. ولكن ما كاد ممثلو الدول الأعضاء في المجلس يتسلمون نسخ مشروع القرار حتى قام المندوب الأميركي بسحبه، لماذا؟
ثبت هنا أن الدبلوماسية الإسرائيلية أشد يقظة وأبعد نظراً من الدبلوماسية الأميركية، فالإدارة الأميركية أمرت بسحب مشروع القرار بطلب من الحكومة الإسرائيلية، فقد تراءى لإسرائيل أن دخول الأمم المتحدة على الخط ربما يؤدي إلى تقييد تحركها في ممارسة المماطلة.
في البيان الصادر عن مؤتمر أنابوليس اتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على «بذل الجهود» للتوصل إلى تسوية نهائية قبل نهاية عام 2008 مع ملاحظة أن عبارة «بذل الجهود» أقحمت على الصياغة بإصرار من الإسرائيليين حتى يكون الموعد المضروب فضفاضاً وبالتالي غير ملزم لإسرائيل، لهذا رأت الحكومة الإسرائيلية معارضة صدور قرار دولي قد يتيح للأمم المتحدة لاحقاً أن تطالب إسرائيل بمراعاة الموعد في حال تلكؤ مسار العملية التفاوضية.
بكلمات أخرى لا تعتزم إسرائيل على الإطلاق توصيل العملية التفاوضية إلى غايتها من حيث الاتفاق على قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وعودة اللاجئين ومصير القدس. ولهذا فإنها ترفض أي جدول زمني صارم للمفاوضات.
وجاء أحدث تأكيد لهذه الحقيقة قبل يومين لدى مخاطبة رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء الإسرائيلي.
قال أولمرت لوزرائه: «سنبذل جهداً لإجراء مفاوضات سريعة على أمل أنها قد تختتم بنهاية عام 2008 لكن بالتأكيد ليس هناك التزام بجدول زمني صارم لإكمالها».
قل ما شئت عن هذا الموقف الإسرائيلي باعتبار أنه لا يعكس سوى استخفاف إسرائيلي يبلغ درجة الاستهتار بمصير حقوق الشعب الفلسطيني، لكن أي مراقب موضوعي لن يملك سوى استشعار إعجاب بهذه الصراحة الأمينة، في حديث إلى التلفزيون الفلسطيني الرسمي قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبومازن: «لقد تمكنا من إطلاق المفاوضات النهائية حسب المرجعيات الدولية التي تتمثل في خطة خريطة الطريق ومبادرة السلام العربية ورؤية الرئيس بوش والقرارات الدولية وقرارات مؤتمر مدريد».
ورغم أن إسرائيل أسقطت من حساباتها نهائياً مشروع المبادرة العربية والقرارات الدولية إلا أن الرئيس أبومازن قال رغم ذلك في حديثه التلفزيوني الموجه إلى جمهرة المشاهدين الفلسطينيين انه لمس «جدية» لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي.
أي جدية وأولمرت يقول ويعيد القول على أسماع العالم بأن «أي اتفاق نتوصل إليه سيكون خاضعاً لمسألة ضمان الأمن لإسرائيل» ويشرح ذلك بقوله ان تحقيق أي تقدم في عملية السلام سوف يعتمد على الالتزام ببنود خطة خريطة الطريق، ويزداد صراحة قائلاً: «لن يكون على إسرائيل الوفاء بأي التزام ينبثق عن اتفاق قبل تنفيذ كل بنود خريطة الطريق.
ومن المعلوم أن بنود خريطة الطريق تتلخص من المنظور الإسرائيلي في بند واحد وهو وفاء السلطة الفلسطينية بالتزامها بمحاربة المقاومة الفلسطينية والقضاء المبرم على فصائلها القتالية «الإرهابية»، وهذه هي الورقة الحاسمة التي تحتفظ بها إسرائيل لاستخدامها عند نقطة زمنية ما في نهاية المطاف لتقول للرئيس أبومازن: إنك لم تنجح في ضرب البنية التحتية للإرهاب، وبالتالي تبقى قضايا الوضع النهائي معلقة.