إما أن الرئيس بوش يثق باستخبارات بلاده، وبالتالي يأخذ معلوماتها بعين الاعتبار؛ في رسم وحسم مواقفه؛ وإما أنه لا يعتمد تماماً على ما تقدمه له في هذا المجال. واحد من الاثنين. لكن أن يعمل بقاعدة الاستنساب فيرتكز عليها كمصدر أساسي ووحيد لاتخاذ قرارات الحرب والسلم مرة، ثم يقلل من أهميتها مرة أخرى؛ فهذا مما لا تستقيم معه الأمور. صيف وشتاء على سطح واحد، لا يصحّ.
في حربه على العراق استند وبنى مزاعمه على تقارير وكالة الاستخبارات المركزية. مع أنه ثبت لاحقاً بأن تلك التقارير كانت معطوبة ومشوهة والبعض قال إنها كانت، إلى حدّ بعيد، مفتعلة. بكل حال تبيّن لاحقاً أن تهمة امتلاك العراق لبرامج أسلحة دمار، كانت عارية عن الصحّة. وواشنطن اعترفت بذلك. والباقي معلوم.
اليوم تطلع وكالات الاستخبارات ـ 16 جهازاً منها CIA ـ بتقرير يعترف بأن معلوماتها حول إيران ومشروعها النووي، كان مبالغاً فيه؛ وأن طهران أوقفت العمل بالشق النووي التسليحي منذ عام 2003، ويضيف التقرير إن هذه الخلاصة قد توصلت إليها أجهزة الاستخبارات المختلفة؛ وهي على ثقة عالية» من صحتها.
لم يكن من المتوقع أن تأتي وكالات التجسس الأميركية بمثل هذه النتيجة، لاسيما وأن تقاريرها قبل سنتين فقط، كانت على النقيض. لذا ترك تقريرها حالة من الارتياح، لدى وكالة الطاقة الذرية والدول الكبرى؛ وكذلك في أوساط الكونغرس الأميركي، التي رأت أن هذا التطور يشكل فتحة، لم تكن متوقعة، تساعد على الحلّ الدبلوماسي للنووي الإيراني.
لكن الرئيس بوش سارع إلى السباحة ضد التيار هذه المرة. في الحالة العراقية كان مثل هذا التقرير مرجعاً له.
العرض الشهير الذي قدمه وزير خارجيته آنذاك، كولن باول ـ والذي عاد واعترف بأنه كان غير صحيح ـ استند على معلومات مزعومة صادرة عن الجهات ذاتها التي أصدرت تقرير اليوم. أما الآن فهذا الأخير لم يعد من صف المرجع.
اختار سيد البيت الأبيض ما يشبه المقارعة ولو غير المباشرة مع تقرير استخباراته. بإصرار اختار التمسك بمواقفه تجاه النووي الإيراني؛ مع التشديد على ضرورة مواصلة سياسة «العصا والجزرة» ترجمة ذلك أنه في غير وارد مغادرة خطاب التصعيد، حتى في واشنطن صدرت دعوات إلى فتح حوار مع طهران قبل وبعد هذا التقرير، الذي قدم فرصة للرئيس كي يخرج من لغة التأزيم بخصوص الملف النووي الإيراني وهذا عين الصواب.
فبصرف النظر عن موقف الإدارة الأميركية من إيران وعن فحوى التقرير ومدى التساؤلات التي يطرحها لكونه يشكل انقلاباً من الاستخبارات على نفسها؛ إلا إن النتيجة التي بلغتها وأعلنتها وقالت إنها على ثقة عالية فيها فرضت معادلة جديدة؛ لم تعد تتقبل التعنيف والتوتير؛ ناهيك بخطاب الحرب وخيار القوة؛ الذي عاد الرئيس وكرر عدم التخلي عنه.
معادلة لم يعد العالم ولا حتى الرأي العام الأميركي ناهيك بالكونغرس؛ مستعداً لتفهم أي لغة ثانية للتعامل مع هذا الملف غير لغة الحل السلمي؛ على قاعدة التحاور. وهي قاعدة ساهم هذا التقرير في توفيرها.
الرئيس بوش لم يعد له في الحكم سوى سنة. لا رصيده يحتمل التصعيد المفتوح على مواجهة؛ ولا المنطقة قادرة على هضم حروب إضافية.
وقد سبق له أن تعامل مع الملف النووي الكوري بالحوار وحصل على المبتغى. لقد جاءت لحظة سلوك مثل هذه الطريق مع أزمة النووي الإيراني. في العراق استند على تقارير الاستخبارات وكانت على ضلال، والآن حري به أن يعمل بهذا التقرير الذي يوحي بالثقة.
