«الدولة» كالإنسان ـ كما وصفوها ـ، فهي تولد وتنشأ وتكبر ثم تهرم وتزول، و «الدول» اصناف شتى صغرى وكبرى، اعتيادية وامبراطورية، مسالمة ومعادية، معمّرة ومنتحرة، مركزية واتحادية، الخ ولا دول من دون مجتمعات، فالدولة في تعريفها المختزل: مجموعة مؤسسات. والمجتمع هو الشعب، أما الوطن فهو الأرض ـ التراب.
هذا الثلاثي الذي يمّيز كل بلد عن غيره بين جغرافيته المحددة وتاريخه الحافل، «الدولة» تبقى حتى نهاياتها، ولكن «النظام السياسي» يتغيّر من عهد لآخر، ربما يتجدد سلما، أو ينقلب بانقلاب عسكري أو ثورة عارمة.
ان التاريخ يحدثنا بأن منواله قد شهد نماذج لا تعد ولا تحصى من دول متنوعة، إن ابرز من اعتنى بـ «الدولة» ومفهومها هو ابن خلدون الذي قدر عمر الدولة الاعتيادية بـ 120 سنة، في حين امتدت اعمار الدول العالمية إلى عدة قرون: كالبابلية والآشورية والراج والساسانية والرومانية والبيزنطية والعباسية والعثمانية، الخ.
« الدولة» لا يمكن صناعتها بسهولة، وان أي دولة جديدة تتوارث من سبقها من دول، وتضفي على نفسها جملة تطورات واسعة لتستقيم حياتها مع الزمن المتقدم، وربما مّرت «الدول» بظروف وتحديات صعبة، ولكنها تجابهها وتنتصر عليها ان كانت مؤهلة للاستجابة، أو أنها تفشل ويذهب ريحها ان عجزت عن المجابهة.
الدولة من شروط وجودها أن تكون في خدمة المجتمع الذي انبثقت منه لترعاه ولا يمكن ان يحصل العكس، وان حصل وغدا المجتمع في خدمة الدولة، فإنها تحولت إلى دولة مستبدة بهيمنة زعيم دكتاتور! وتتباين أساليب حياة الدول تباينا واسعا.
وكل دولة تختط دستورا لها شريطة ان ينبثق من إرادة الشعب ويعبر عن آماله وطموحاته، ويحدد طبيعة شكل الدولة ومؤسساتها.
ان دولنا في الشرق الأوسط كانت قد انبثقت عن طور الاستعمارين البريطاني والفرنسي في القرن العشرين، وقد كانت وريثة دول عاشت ثم بادت، واستطيع القول بأن البريطانيين والفرنسيين أكثر خبرة ومعرفة في تأسيس الدول والكيانات السياسية مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية التي فشلت حتى الآن في ذلك، وهنا أود القول بأن «الدولة» لا يمكنها ان تكون بديلا عن «الوطن»، فلا يمكن النضال عقودا من السنين من اجل تحرير وطن وفي النهاية ينقسمون على تكوين «دولة»، اي دولة!
هنا، يبدو للمؤرخ ان القوتين الاستعماريتين السابقتين كانتا تنظران إلى مصالحهما البعيدة في حين ترى الولايات المتحدة كل العالم من خلال مصالحها القريبة فقط !
وتبقى مسألة «الدولة الحديثة» ومقوماتها، فمثلا يعد تأسيس وانطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة منذ 2 ديسمبر 1971 حتى اليوم مثالا حيويا على نجاح اتحاد ضم 7 مشيخات قديمة في نظام فيدرالي اتحادي توفرت شروطه كاملة فنجح نجاحا ساحقا، أسوة بغيره من التجارب الاتحادية القوية مثل ألمانيا وسويسرا وكندا.
ان واحدا هو الأبرز من شروط الانتصار يتمثل بقوة التلاحم بين الدولة ومجتمعها، اذ متى ما شعر المواطن انه المالك الحقيقي لمؤسساته، فقد ساهم في ترسيخ العلاقة بينه وبين «الدولة»، ومتى ما شعر بأنه غريب على مؤسساته، فهو يبقى يكره دولته وكل من يتعامل معها، بل ويوّرث كراهيته إلى أبنائه وأحفاده على عكس من يتفانى في سبيل دولته ويورّث عشقه لها إلى أبنائه وأحفاده.
وهنا يأتي دور الزعامة الريادية التي ربطت بين الدولة والمجتمع، ان أسماء مثل: بسمارك أو غاريبالدي أو غاندي أو أتاتورك أو عبد العزيز أو فيصل الأول أو بورقيبة أو تيتو أو صن يات صن أو زايد أو راشد أو مانديلا وغيرهم ستبقى خالدة إلى الأبد كون أصحابها قد عرفوا كيف يساهموا في تكوين علاقات جديدة بين المجتمع والدولة، وبرزت دولهم إلى العالم موحدة بعد انقسامات تاريخية طويلة.
ان «الدولة الحديثة» لا تقوم إلا من خلال مجتمع حديث يمتلك وعيه الوطني ويشعر ان قوته هي سر نجاحه، إنها لا تقوم أبدا في ظل انقسامات دينية أو مذهبية أو طائفية أو تعصبات عرقية وقبلية تهدد وحدتها وكيانها، ناهيكم عن عوامل أخرى لا يمكنها ان تكون أبدا في عملية التأسيس أو حتى النضوج. ان الصراع على السلطة رهان خطير آخر قد يتبلور ضمن صور التآمر وانعدام الثقة بين المؤسسات وأخطرها انقلابات المؤسسة العسكرية ـ برأي ماكس فيبر ـ.
ان من شروط الدولة الحديثة استقرارها وأمنها الداخلي وأساليبها في تحقيق العدالة الاجتماعية والتحديث الإداري والمؤسسي والتنمية الاقتصادية، فضلا عن مسالمتها جيرانها وانفتاحها على العالم بعد أزمان من الانغلاق أو التبعية. ان الإرادة الشعبية ان التقت مع صناع القرار، فإنها خطوة أساسية يترجمها الزمن يوما بعد آخر إلى العالم كله عبر التاريخ.
ان الإعلام ينبغي ان يترجم أيضا حكاية الواقع مهما كان صعبا ومريرا، ومن الشروط المفكّر فيها إنما يتمثل بالتخلص من كل آثام الماضي وأتعابه، وان يحل خطابا عقلانيا لا حالما، وعمليا لا خياليا، ومعرفيا لا ايديولوجيا، ومتمدنا لا متخلفا، الخ كلها مستلزمات وشروط تأسيس «دولة» تتوفر فيها كل الشروط التاريخية لا السياسية فقط، من اجل ان تستمر وتعيش، لتنمو وتتطور.
ان آخر ما يمكنني قوله هنا ان «الدولة الحديثة» لا يمكنها ان تقوم على مشاهد ونصوص وخطابات انتقائية من الماضي مهما كانت لوائح جمهورية أفلاطون الفاضلة رائعة، فلكل عصر دولة ورجال.
مؤرخ عراقي