في لبنان، وفي الوقت الضائع تعديلا للدستور وتمهيدا لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية اللبنانية، جدل واسع يمكن وصفه بـ «حوار الطرشان»، وفي خضم هذا الجدل لا يفترض، كما من غير المتوقع، أن يطرأ ما يمكن أن يعطل المسيرة من الآن وحتى يوم بعد غد الجمعة موعد جلسة الانتخاب، طالما أن جميع المعنيين في السلطة والأكثرية والمعارضة النيابيتين مجمعون على أن الصفقة، سواء أطلق عليها هذا التعريف أو أي تعريف آخر.
قد تمت على هامش مؤتمر أنابوليس الذي عقد مؤخرا في الولايات المتحدة الأميركية بمشاركة سورية حيث «أعطي لقيصر ما له» من ضمانات للمصالح في التركيبة السياسية المرتقبة بعد انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة الجديدة التي يفترض بها أن تشرف على الانتخابات النيابية المقبلة.
وفيما رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري منهمك في وضع سيناريو الجلسة النيابية لتعديل المادة 49 من الدستور بما يتيح للعماد سليمان التقدم بترشيحه للرئاسة، وسط مباركة من أركان الأكثرية والمعارضة على الرغم من صمت «حزب الله» الذي يربط موافقته بالبرنامج السياسي للمرشح الرئاسي وليس بشخصه.
وعودة رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون في موافقته على ترشيح سليمان لمبادرته التي يشترط فيها أن يكون رئيس الحكومة المقبل من خارج التيار السياسي لرئيس كتلة «المستقبل» النيابية سعد الحريري.
يخوض بعض نواب الأكثرية ونواب المعارضة حاليا جدلا محوره تأكيد الأكثرية أن موافقتهم على ترشيح العماد سليمان خيار لبناني بحت وليس بإيحاء من الخارج، أو من الأميركيين تحديدا، وأنهم كانوا يعتبرونه مرشحا توافقيا ولكنهم كانوا يفضلون عدم تعديل الدستور وقد قبلوا بالتعديل خوفا من تداعيات الفراغ الذي قد يطيح اتفاق الطائف.
فيما تصر المعارضة على أن موافقة الأكثرية على سليمان جاءت بإيحاء أميركي في ضوء التوافق السوري - الأميركي عليه.
مرجع نيابي لبناني يبدي تحفظه على خطوة تعديل الدستور ولكنه يقول إن الأمور سوف تأخذ مجراها الطبيعي وسط إجماع كل المعنيين، وفي ضوء الحنكة والحكمة اللتين يتمتع بهما الرئيس بري فإن المتوقع أن يتم التعديل والانتخاب من دون أية صعوبات أو عرقلة.
ويبدو أن التفاهم الذي جرى في أنابوليس شمل حتى رئاسة الحكومة، ولكن المرحلة التي ستحمل معها الشروط والشروط المضادة هي مرحلة تشكيل الحكومة والدخول في أسماء المستوزرين والعناوين السياسية للمرحلة المقبلة.
ويصف المرجع التراشق الكلامي الحالي بين بعض نواب الأكثرية والمعارضة بـ «حوار الطرشان في الوقت الضائع»، إلا أنه يستند في تركيزه على مرحلة ما بعد تسمية رئيس الحكومة إلى ربط «حزب الله» موقفه النهائي من التطورات ببرنامج الرئيس وبالتالي ببرنامج الحكومة.
ويقول إن البرنامج هو ورقة أساسية تمسك بها المعارضة وتشكل جوهر الحلقة التي تربط الأوضاع المحلية بالتطورات الإقليمية، ولذلك فإنه لا يكفي الركون إلى ما يجري من حديث وتصريحات حول ضمان سلاح المقاومة، لأن هذه الورقة تعتبر ورقة مصيرية تعادل مستقبل الحل النهائي ليس للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي فحسب.
بل مستقبل الحلول للصراع العربي - الإسرائيلي ككل، ولذلك فإن «حزب الله» بتحالفاته الداخلية و بكل امتداداته السياسية الإقليمية لن يفرط بها بل سيستخدمها في فرض آليات تحميها وتحمي وجوده ومستقبل الصراع على أي رئيس جمهورية أو أي رئيس للحكومة، تماما كما تنادي الأكثرية بضمانات لحماية إنجازات ثورة الأرز وتضحيات انتفاضة الاستقلال والاستقرار ومصالح المواطنين الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى المرجع النيابي أن مرحلة تشكيل الحكومة، وإن كانت أوساط الرئيس بري تعتبر أنها رئاستها محسومة لمصلحة «تيار المستقبل»، فإنها تتطلب حكمة عالية من جميع الأطراف لتلافي الوقوع في فخ المراوحة وهي قد تكون بتداعياتها أكثر خطورة من الفراغ الدستوري.
ويقول إن لجوء فرقاء النزاع إلى رفع سقف شروطهم وتحسينها و تحصينها للإمساك بحقائب وزارية يعتبرونها حساسة في الحكم، قد يحرج رئيس الجمهورية الجديد الموعود بكل التعاون والدعم، فيفهم الأمر على أنه عرقلة لمسيرته قبل انطلاقها.
ولذلك فإن المرجع النيابي ينصح جميع الفرقاء على التعاون وتبادل التنازلات لتسهيل قيام الحكومة اللبنانية الجديدة لأن الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرها ضخمة وتتطلب الكثير من العمل والجهود، فيما القضايا السياسية المصيرية.
ولا سيما تلك المتعلقة بسلاح المقاومة، يمكن أن تخضع للحوار طالما أن امتداداتها إقليمية، ويرى المرجع النيابي أن الحوار وحده والذي سبق للبنانيين أن بدأوه في مرحلة سابقة، كفيل بتفاهم اللبنانيين حول القواسم المشتركة والوصول إلى موقف موحد حول الثوابت اللبنانية والقضايا المصيرية.
ويختم المرجع النيابي مؤكدا أن هذا الموقف الموحد مطلوب من اللبنانيين اليوم أكثر من أي يوم مضى ولا سيما أن جميع العرب مقبلون على قمة عربية أو أكثر في مواجهة تحديات مستقبلية يفترض بهم أن يتخذوا حيالها مواقف موحدة، وحري بلبنان أن يكون بدوره جاهزا لأية تطورات محتملة بموقف موحد.
كاتب لبناني
