مبدئياً «لبنان على موعد آخر، بعد غد، لانتخاب رئيس جديد. مجلس النواب مدعو رسمياً، لهذا الغرض. لكن جلسته مهدّدة بالتأجيل للمرة السادسة. ولو أنه ليس محكوماً عليها بالإعدام، كالمرات السابقة الفارق هذه المرة أن على الطاولة اسم مرشح توافقي مطروح، مما يرجح كفة تقاطع المواقف المختلفة عنده.
تلاقت حول شخصه كافة الأطراف. ولمعت في الأفق إمكانية انعقاد الجلسة لاختيار قائد الجيش، العماد ميشال سليمان. خاصة بعدما تبيّن ان الآليات الدستورية متاحة، لتجاوز اشكاليات ترشيحه. غير أن الحسابات السياسية، المعقدة والمتداخلة، رمت بثقلها؛ خلال اليومين الأخيرين، لتضع عملية الانتخاب من جديد، في خانة التعليق وبذلك عاد التفاؤل إلى الانحسار؛ ليعود لبنان واللبنانيون إلى الانتظار، المشوب بالقلق.
ما تكشف عنه هذا التلاقي، يشير إلى أن العقبة الأساسية ليست في المواصفات المطلوبة، لدى المرشح المقبل. فهذا الأخير قد تمّ العثور عليه؛ وفق ما تنطق به ردود سائر الأطراف اللبنانية المعنية. ومع ذلك لاتزال لعبة التجاذبات وموجات الشروط والشروط المضادة، تتحكم بالاستحقاق.
بالعماد سليمان تحقق شبه الإجماع حول الاسم، لكن ليس حول فعل الاختيار. كما تبين أيضاً أن شعار التوافق، المتداول، نسبي. ليس هناك تعريف محدد له. كل فريق له توافقه المفصّل على قياساته وهو يتعدى المرشح، ليطول مشروع، الحكم في الفترة المقبلة ويبدو أن المشاريع، في هذا الخصوص، متضاربة. والهوّة الواسعة، باقية على حالها.
اذا لم تكن قد توسّعت أكثر فالخطاب المتبادل عاد، على الأقل في بعض المواقع، إلى التشدد. وفي حالات معينة، إلى التراشق. ولو بصورة مبطنّة. بأحسن الحالات، عاد إلى الفتور.
وفي هذه الأجواء انتعشت الشكوك؛ وغرقت المواقف بالغموض والالتباسات. صار طرح اسم أي مرشح وسطي، بمثابة الكمين. كما صار القبول بمرشح، موقف ملغوم.
المشهد المحبط بدا وكأنه عاد إلى المربع الأول؛ بعد انتعاش الآمال، على مدى أيام، باحتمال تحقيق الاختراق المنشود. فجأة واذا بالبازار وكأنه يفتح من جديد. لقد اقترب لبنان من دخول أسبوعه الثالث، في ظل الفراغ الرئاسي. أخذته أكثر من شهرين، منذ بداية المهلة الدستورية أواخر سبتمبر الماضي، للعثور على مرشح؛ إذا لم يتحقق حوله الإجماع التام فعلى الأقل تحقق غياب تام لرفضه.
وقيل انه صناعة لبنانية كاملة. والدليل على ذلك هذا التقاطع بين الأطراف، على الاختلاف الحاد بين مواقعها. وبقدر ما تعزّزت الاحتمالات والتوقعات بقرب الخروج من النفق، في ضوء هذا الترشيح؛ بقدر ما تزداد المخاوف من طول إقامة الفراغ في حال تعذّرت ترجمة هذا التوافق.
خاصة وان أسماء كثيرة احترقت وبسرعة؛ بالرغم من أنها محسوبة على خندق الاعتدال وكان من المفترض أنها مرشحة لنيل قبول واسع من جانب المعارضة والموالاة.
اللغز الرئاسي اللبناني طالت عملية فك طلاسمه. ولأن التوافق، حتى على اسم، صار بضاعة نادرة؛ فان اللحظة الراهنة قد لا تتكرر في الآتي القريب. وعدم تكرارها يعني تحوّل الوضع السائد إلى أمر واقع؛ مع كل ما يحمله من ألغام ومخاطر. وحرّي باللبنانيين عدم تفويت الفرصة والكف عن المضي بلعبة العض على الأصابع إلى نهايتها.. حيث قد لا تبقى أصابع للعض.
