يعيش النظام الدولي حالة من الاضطراب وانعدام التوازن، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 وبداية الأحادية القطبية متمثلة في محاولات الولايات المتحدة الهيمنة على القرار الدولي، ولو من خارج الشرعية الدولية وأطرها التنظيمية مثل الأمم المتحدة، كما حصل في غزو العراق.

وكان طبيعيا أن تطمح الولايات المتحدة لمثل هذا الدور العالمي، بحكم إمكانياتها الهائلة ودورها الكبير في إسقاط النظام السوفييتي، ولهذا تراوحت المواقف الدولية بين القبول المطلق بزعامة أميركا والتردد في معارضتها، إما عجزا عن المواجهة أو انتظارا لما يمكن أن تؤول إليه هذه الزعامة من إنجازات أو إخفاقات في مجال السلم والأمن الدوليين ومعالجة النزاعات الساخنة أو الكامنة في أكثر من منطقة.

وجاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتعطي الإدارة الأميركية قوة دفع إضافية نحو مزيد من أحادية الرأي والقرار، عبر ما سمي «محاربة الإرهاب» التي ألغت عمليا مبدأ سيادة الدول ضمن حدودها، ووسعت الوجود العسكري الأميركي في مختلف بقاع العالم، ودون اعتبار جدي لمصالح القوى الدولية الأخرى، فضلا عن مصالح ومواقف الدول الأضعف والأكثر تضررا.

ومع تمادي أميركا في أحاديتها وتزايد التململ في الأوساط الدولية ومخاوفها من قيام «نظام ديكتاتوري دولي» يعمل على إخضاع العالم كله لمصالحه ورغباته، بدأ هذا التململ يأخذ طابعا مختلفا من خلال مواقف أكثر وضوحا وتبلورا تجاه هذا الوضع الدولي الشاذ.

وبما انه لا توجد قوة دولية الآن تستطيع أو ترغب في أن تقف منفردة في وجه الهيمنة الأحادية واختلال التوازن الدولي، إضافة إلى عوامل عديدة أخرى، فقد بدأ دور التكتلات والتحالفات الإقليمية يتعزز على الساحة الدولية، بعد أن كاد هذا الدور يختفي كليا في السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار رأينا تعزيزا لدور «منظمة شنغهاي للتعاون» التي تضم كلا من روسيا الاتحادية والصين مع أربع من دول آسيا الوسطى، وانضمت إليها مؤخرا إيران كعضو مراقب، وكذلك مجموعة الدول المطلة على بحر قزوين التي استضافت إيران قمتها الأخيرة في أكتوبر الماضي وبمشاركة الرئيس الروسي في أول زيارة لطهران اعتبرت «تاريخية» في إطار العلاقات بين البلدين.

وتمثل «رابطة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان) التي تضم عشر دول آسيوية، واحدا من أهم التكتلات الإقليمية في أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان، وخلال قمتها الأخيرة التي استضافتها سنغافورة في العشرين من نوفمبر المنصرم، وقعت هذه الدول على «ميثاق جديد» كإطار قانوني لتشكيل كتلة اقتصادية تضم أكثر من نصف مليار نسمة، تستهدف إقامة منطقة اقتصادية حرة بحلول عام 2015، مما سيعزز حضور وتأثير هذا التكتل في مجال الاقتصاد والتجارة العالمية وصناعة القرار الدولي.

وأمس الأول (الاثنين) شهدت العاصمة القطرية الدوحة انطلاق أعمال الدورة الثامنة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما يمثله هذا المجلس من موقع استراتيجي وزخم اقتصادي وسياسي مؤثر على الساحتين الإقليمية والدولية.

وقد تميزت هذه الدورة بمشاركة الرئيس احمدي نجاد، باعتباره أول رئيس إيراني يحضر مثل هذه القمم منذ إنشاء مجلس التعاون عام 1981، مما يدل على أن هناك نظرة جديدة أكثر عمقا وواقعية للمصالح المشتركة بين دول المنطقة، من شأنها أن تعزز العلاقات والتعاون في ما بينها لمواجهة التحديات والأخطار الآنية أو البعيدة المدى، خاصة إذا ما توفرت النوايا الصادقة والضمانات الضرورية لإزالة أي مخاوف أو شكوك لدى أي من طرفي هذه المعادلة الإقليمية الجديدة.

ولعل هذا ما أشار إليه الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، حين وصف المقترحات التي طرحها الرئيس الإيراني في الجلسة الافتتاحية للقمة بشأن تعزيز التعاون والثقة بين إيران ودول المجلس، بأنها «تشكل مؤشرات إيجابية تصب في مصلحة أمن واستقرار وازدهار المنطقة»، مضيفا أن «حل أي خلافات بين الدول هو الذي يمكن المجموعة من تحقيق التعاون في مختلف مناحيه».

وبالنظر إلى تزامن واتساع هذا النشاط الإقليمي على أكثر من صعيد وفي مناطق مختلفة من العالم، يبدو أن هناك مخاضا يتعزز باطراد لولادة نظام دولي جديد أكثر عدالة واستقرارا، قد لا يكون من شأنه تقسيم العالم إلى قطبين متنافسين كما كان الحال خلال فترة الحرب الباردة، لكنه في المقابل لا يسمح بانفراد قوة واحدة بمصير العالم ومقدراته أو بإلغاء دور القوى الدولية والإقليمية الأخرى.

وقد يكون المخاض صعبا، وربما يحتاج إلى وقت غير قصير قبل أن تكتمل مرحلته الجنينية، لكنه على الأرجح ـ إذا ما تحقق ـ سيجعل العالم أكثر أمنا واستقرارا.