تمثل حركة الإخوان المسلمين إحدى أهم منظمات الإسلام السياسي السني في البحرين، فالحركة بالإضافة لكونها أقدم التنظيمات السياسية وأعرقها، فهي كذلك تمثل وبخلاف الكثير من التنظيمات الاسلاموية الأخرى، جماعة نخبوية تتكون في الغالب من تجار وتكنوقراط، بمعنى أنها تمتلك ذخيرة مالية ومعرفية قد لا تمتلكها التنظيمات السياسية الأخرى.

وهي وبفعل هذه الطبيعة النخبوية لأعضائها فقد احتلت الحركة مواقع مهمة في الكثير من مؤسسات الدولة والقطاع الخاص. وتتسم الحركة بقدر كبير من البرجماتية، بل إن برجماتيتها المفرطة تدخلها في كثير من الأحايين في ميكافيلية واضحة سواء أكان ذلك في علاقتها مع القوى الاسلاموية والسياسية الأخرى أو في علاقتها بالدولة، وهي سمة جامعة لكل فروع الحركة في المنطقة العربية.

فمصلحة الحركة هي المحرك الأساس في كل المواقف والاتجاهات التي تتبناها ونتيجة لذلك فقد دخلت الحركة في خصام مع كل التنظيمات السياسية الأخرى وكذا مع الحكومات العربية الحاضنة لها. وهي حركة في غاية التنظيم والتراتبية التنظيمية وتمتلك من عناصر القوة والنفوذ الكثير في داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

وقد أتاحت سنوات الإصلاح السياسي للحركة وطبيعة مضامين خطابها السياسي البائن، على الأقل، ذي الطبيعة المعتدلة من أن تبني جسورا من العلاقة مع بعض صناع القرار داخل مؤسسة الحكم وفي الدولة وفي أن تقوم بأدوار وظيفية في الحياة السياسية الداخلية.

وقد استطاعت الحركة وبفعل هذا الثقل الذي اكتسبته في السنوات الأخيرة من أن توصل أعضاءها وأنصارها لسدة الكثير من المؤسسات الرسمية والخاصة.

بل باتت بعض هذه المؤسسات أو إداراتها مغلقة على أعضائها وأنصارها وقد يشمل ذلك بعضا من الحركيين العرب الذين أزداد نفوذ بعضهم في الفترة الأخيرة والذين يلعبون دور المنظرين الفكريين للتنظيم.. وهي تجربة تماثل إلى حد كبير تغلغل عناصر الحركة داخل بعض مؤسسات الدولة في الكويت والأردن وسيطرتهم عليها.

وأعطى شعور الحركة بالقوة وتملكها لعناصر النفوذ وانفتاح الأبواب أمامها من أن تنظر أحيانا بعين وتغمض عينا للقوى السياسية الأخرى الفاعلة في المجتمع وأن «تكشر» أو تزأر في وجه القوى أو في بعض من مسؤولي الدولة مقابل غض الطرف أو غض العين عن الآخرين.

ولا تخلو هذه التكشيرة في الكثير من حالاتها من رغبة في الحصول على مكاسب سياسية وأخرى في إطار القيام بأعمال وظيفية.

من هنا فإننا نفهم ما قد يسميه البعض بمحاولة الحركة الاعتراك مع وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وما قاله النائب ناصر الفضالة بحق الوزير ليس إلا عملا يصب في هذا الإطار. فما سمي من قبل البعض «بالمشادة الكلامية».

لم يكن هو في واقعه زلة لسان أو كلمات قيلت في لحظة انفعالية بحق الوزير (انظر حديث النائب لجريدة الوقت يومي 22 و23 من هذا الشهر الماضي).

فمضامين الكلام والواقعة تحمل مؤشرات عدة قد يكون منها أن الكلمات لم تكن كلمات الموقف ذاته بقدر ما كانت مهيأة ومعدة سلفا حتى تأخذ بعدا دينيا، ثم إن اختيار الكلمات والإصرار عليها يعكس موقفا سياسيا معبرا للقوة ومفصحا عنها في مضامين الكلمات والمواقف.

وهي قوة لا تمثل الفرد النائب بقدر ما تعبر عن قوة التنظيم أو المنظمة في مقابل الآخر وقدرتها على افتعال المعارك أو الدخول فيها وتعيين الأوقات التي تبرز فيها في مقابل الآخر.

إن «المشادة» أو «المعركة» الكلامية قد لا يكون المعني فيها الوزير لشخصه وإنما لما قد يحمله الوزير من مواقف وتوجهات لم ترض الحركة أو كما يبدو لم تكن في محل قبول من قبل الكتل الاسلاموية الأخرى التي لم ترد على ما قيل من كلام وإنما بحثت عن أعذار لقائلها( انظر تعليقات النائبين البوعينين والعالي).

فالجماعات الاسلاموية في عموم المنطقة العربية بضفافها المختلفة لا ترى في إسرائيل إلا كيانا مغتصبا، وإنها في عمومها اما مؤيدة بشكل مطلق لحكومة حماس وممارساتها أو متجاهلة لكل ممارساتها على الأرض في غزة. وهي في ذلك اما في موقف الرافض لإسرائيل أو الرافض لفكرة التصالح معها، وإن أبدت الحركة المصرية الأم قدرا من المرونة البرجماتية في القبول بإسرائيل فهي جزء من المناورة السياسية الخارجية.

من ناحية أخرى فقد فهم البعض ما قيل بحق الوزير إن هو إلا محاولة للحد من حركة وزير للخارجية بات يتحرك بقناعات جديدة وحديثة رُغب من خلال افتعال الموقف في الحد منها.

كما ان الحركة قد أرادت أن توصل رسالة مفادها ان سيادية المنصب قد لا تحمي صاحبها من سهام «النقد» وهي مواقف تماثل تماما الحالة التي أصبحت عليها التجربة الكويتية، بل عن الحالة الكويتية تمثل لجميع التنظيمات الإسلاموية معينا لها في تجربتها المحلية منها تؤخذ الدروس والعبر.

ومنها تأتي القيادات الإقليمية الجديدة والتنسيق بين الفروع وهو ما دلت عليه مؤخرا بعض «التربيطات» الخاصة بأحد الدعاة العرب، والتي تمت ترتيبها من خلال الفروع المنتشرة للحركة وصاحبة النفوذ في دول مجلس التعاون.

وقد يعتقد البعض ان « المعركة» إن هي إلا إحدى محاولات الحركة لاستعادة قدرا من الحضور الإعلامي القائم على «المعارك المفتعلة» كما هي التجربة الكويتية.

وهي لربما وفق تقييمهم معركة قد لا تنال من النظام شيئا من حيث إنها تخص موضوعا خارجيا رغم حساسية إسرائيل لدى الرأي العام المحلي باختلاف توجهاته.

وهي «معركة» حاولت الحركة من خلالها تأكيد الحضور على الساحة العربية كفصيل مناصر للقضية العربية مستفيدا في ذلك من تراث الحركة ومعاركها المماثلة في الكويت والأردن ومصر (تابعوا ما كتب عن الحدث في الجرائد العربية ومواقع الانترنت).

وهي حالة بدت وكأنها تصحح نوعا من الصورة النمطية للتنظيم من كونه حزبا غير سياسي أو من كونه حزبا يقع في الخانة المسماة في بعض الأدبيات العربية بالمولاة عنها بالمعارضة كباقي تنظيمات الحركة في بقية الأقطار العربية وهي في جلها حركات معارضة.

وفي الختام فإن تحت قبة البرلمان قد يقال كلام وكلام، تتشابك وتتداخل فيه مصالح النواب الخاصة والتنظيمية مع تلك المبدئية، وهي مواقف وألفاظ سنرى ونسمع عنها الكثير في بيئة ترى في التعرض للوزير كممثل للحكومة، جزءا من شرعية الوصول للمقعد البرلماني ودليلا للقوة الشخصية والتنظيمية.

من هنا يرغب الشارع العربي دائما في أن يأتي بنواب معارضين أكثر منه موالين حتى في «الديمقراطيات المحكمة النتائج» في المنطقة العربية.

وخلاصة القول إن الحركة وبحكم انتسابها للتنظيم العالمي لإخوان المسلمين ولكونها حركة وكما قال عنها يوما مهدي عاكف المنسق العام لجماعة الإخوان في مصر معنية بالأعمال الخيرية، باتت أبوابها مفتوحة للخبرات العربية والعالمية التي قد يراها البعض مهمة في التكوين التنظيمي للحركة وضرورية لخلق حالة من التوازن بين القوى والجماعات السياسية وهي تجربة لمن يريد التعرف على مصاحباتها فليقرأ معالجاتنا في الحالة الكويتية والأردنية في مؤلفنا الحركات الدينية في الخليج العربي. و لنا إن شاء الله عودة أخرى، والله من وراء القصد.

كاتب بحريني