ذكَّرنا العيد الوطني السادس والثلاثون لدولة الإمارات العربية المتحدة بظاهرة عرفت بها القيادات في هذه الدولة، وهي ظاهرة المجالس التي كانت أشبه ما تكون بمجالس برلمانية شعبية تلتقي فيها القيادة مع الشعب، ويأتي ابرز مثالين على ذلك مجالس المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد، اسكنهما الله فسيح جناته.
فأهمية تلك المجالس كانت بالغة لاسيما وهي تقرب الحاكم من المحكوم. لذا فقد كانت تلك المجالس وبشهادة الجميع منتديات فكرية تحضرها قيادات ونخب ثقافية وسياسية ودينية، تناقش قضايا مجتمعية ملحة في أجواء من الودّ والصراحة والشفافية التي لا تستبعد المواطن العادي الذي وإن لم يكن من تلك النخب إلا انه لم يكن مجردا من فكرة تعبر عن همومه وهموم أبناء منطقته أو مشكلاتهم أو حتى أسباب ابتهاجهم وردود فعلهم حول ما يجري حولهم.
اجتهدت القيادات في فتح مجالسها على الرغم من كثرة مشاغلها وضخامة المسؤوليات المنوطة بها، وتبع عدد من المواطنين هذه السنة الحسنة ففتحوا مجالسهم للمواطنين، وكانت مجالسهم أشبه ما تكون بمنتديات فكرية واجتماعية تغذي الشعب والقيادة معا، إلا انه وحتى وقت قريب لاحظنا انحسار عدد هذه المجالس وتراجع أدوار بعضها نظرا لطبيعة المتغيرات التي طرأت على المجتمع.
لاسيما والجميع منشغل في التنمية التي تدور عجلتها بسرعة فائقة، وما يترتب عليها من طول ساعات العمل، وازدحام الطرقات الذي جعل تبادل الزيارات والمشاركة في مختلف الفعاليات أمرا ليس بالهين، وبالتالي أصبحت هذه المجالس محصورة على عدد من المبادرات الشخصية التي تجتهد في فتح مجالسها خلال شهر رمضان المبارك.
المجالس الرمضانية استقطبت مختلف الفئات المجتمعية وناقشت العديد من القضايا الحيوية والمهمة، وأصبحت بفعل التغطية الإعلامية التي تغطي نقاشاتها أداة لقياس نبض الشارع حول مختلف القضايا، ووسيلة للتعرف على هموم المواطنين والمقيمين.
وهو الأمر الذي عزز ثقافة الحوار والممارسة الديمقراطية، وقلل الفجوة الحاصلة بين الأجيال، وساهم في رفد صناع القرار بآراء وأفكار لا ينكر أي منا أهميتها في صنع العديد من القرارات.
لذا فإننا نشجع على إحياء هذه السنة الحسنة من خلال مجالس الأحياء التي يمكنها أن تكون متنفسا للأفراد، ووسيلة للتعبير عن آرائهم وتوجهاتهم حول مختلف قضايا وموضوعات الساحة المحلية لتصبح بالتالي إحدى الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها في التنشئة السياسية وفي تحقيق التواصل بين الأجيال وتناقل الخبرات، ووسيلة لحل العديد من المشكلات الطارئة على مجتمعنا، ورفد القيادات وصناع القرار بما يساعدهم في تحقيق استراتيجية الدولة التي تبدأ بأبناء الوطن كهدف ووسيلة وتنتهي عندهم.
الأدوار المنتظرة من هذه المجالس لا ينبغي الاستهانة بها، ولا ينبغي تعطيلها كآلية يمكن تفعيلها لاحتواء أفكار وآراء المشاركين فيها والتي يمكن ان تكون خير رافد في تطوير مجتمعنا وتنميته، اما كيف ومتى فذلك نتركه لمن يبادر من الأفراد، ولصناع القرار الذين قد يشجعون على ذلك ويدعون إليه من خلال تقديم الدعم اللازم على اعتبار ان وجود هذه المجالس بات حاجة لسنا في غنى عنها.
