جاءت نتائج الانتخابات الكرواتية الأخيرة لتضيف إلى المشهد المثير في منطقة البلقان صورة جديدة عن طبيعة الصراع الحزبي القائم في بعض دولها، ولتطرح أيضا أكثر من علامة استفهام حول شكل الحكومة الائتلافية المقبلة التي «سيضطر» رئيس البلاد ستييبان ميسيتش لتعيينها خلال المستقبل المنظور، إذا تم بالطبع التوافق على طبيعة التحالفات التي ستضمن نشوء تلك الحكومة وفق ما تقتضيه التقاليد السياسية المعمول بها في زغرب.

ولا شك بأن كرواتيا تقف حاليا أمام امتحان دقيق ستؤكد من خلاله نضج تجربتها الديمقراطية الفتية وقدرة على التعامل مع الظروف السياسية العصيبة، بعدما تمكنت من التغلّب على آثار الحرب الأهلية الطاحنة وتبني القرارات الاستراتيجية الصعبة المتمثلة بالاستقلال الكامل عن جمهورية يوغوسلافيا الفدرالية.

ويبدو حتى هذه اللحظات بأن الامتحان الذي يجب على كرواتيا أن تثبت نفسها فيه يتمثل في كيفية تجاوز «أزمة» الانتصار الذي يعلنه لنفسه حاليا قطبا الساحة السياسية المحلية، أي الاتحاد الديمقراطي الكرواتي الذي كان يحكم حتى فترة الانتخابات الأخيرة.

وفاز بأغلبية المقاعد البرلمانية خلال الانتخابات الأخيرة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي المعارض الذي حل ثانيا لكنه أعلن صراحة عن رغبته بتشكيل الحكومة المقبلة نظرا لقدرته على صياغة التحالفات الحزبية المطلوبة وبالتالي تأمين الأغلبية داخل البرلمان.

ما نشهده إذن هو اجترار للصراع التقليدي القائم بين اليمين المحافظ ويسار الوسط، والذي يتمحور حول قضايا ذات طابع اجتماعي واقتصادي لكن محكوم بشبه توافق على القضايا والأهداف الاستراتيجية للبلاد، وهو ما يؤكد ما يزعمه كثيرون بأن الطموح الحزبي الضيق لكلا المعسكرين ينحصر في هدف وحيد: تأمين عملية تكامل البلاد مع كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي في ظل قيادته للحكومة المقبلة، لأن من شأن ذلك أن يعزز بالطبع رصيده السياسي والشعبي لفترة طويلة من الزمن.

التوقعات التي يتم تناقلها في الوقت الحاضر تتراوح بين الجزم باحتمال وقوع البلاد في ما يوصف بالجمود السياسي الذي قد يستمر طويلا، وبين القدرة على تجاوز هذه الأزمة لصالح الحزب الحاكم، باعتبار أن رئيس الوزراء الحالي إيفو سانادير يعتبر من السياسيين المخضرمين الذين يتمتعون بتجربة عملية لا يستهان بها نتيجة تمرّسه في مهامه لفترة طويلة.

في حين أن غريمه زوران ميلانوفيتش لا يزال فتيا في العمل السياسي (القيادي) برغم تمكّنه من إثبات نفسه كخلف قوي للراحل إيفيتسا راتشان الذي كان يقود الحزب حتى وفاته قبل بضعة أشهر.

ولا شك بأن الرهان الأهم في كل ما يجري في كرواتيا حاليا هو أن تتمكن القوى المعنية من استيعاب الصراع الداخلي لمنعه من التمدد نحو الأهداف الاستراتيجية آنفة الذكر، باعتبار أن الإفادة من تحقيقها هو شأن وطني مرتبط بالتطلعات القومية الشاملة لجمهورية كرواتيا، الراغبة أصلا بالوصول إلى ذروة أحلامها الاستقلالية من خلال الانتقال من دولة تعتبر جزءا من منطقة البلقان (المتوترة)، إلى دولة متكاملة مع الغرب (الديمقراطي).

وإذا استطاعت كرواتيا أن تتجاوز هذا الاستحقاق بخير، فإنه سيكون أمام الحكومة المقبلة أن تبذل جهودا مضاعفة لإثبات قدرتها، لا بل حُسن نواياها، للانضمام إلى مشروع التكامل الأوروبي، في حين أن بعض محاور تلك الجهود سيكون محليا وبعضها إقليميا. ويمكن اختصار تلك المحاور على الشكل الآتي:

على الصعيد المحلي يفترض بالبلاد أن تستكمل مشروع تكاملها مع القوانين المختلفة المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، على أن يترافق ذلك مع إتمام جهود التفاوض الجارية حاليا، من خلال إغلاق كافة الفصول ذات الصلة.

والتي تشمل سلسلة من القطاعات الحيوية التي ستضمن انتقال كرواتيا إلى مصاف الدول الديمقراطية المتعارف عليها في الغرب.

إضافة لذلك، لا يزال مطلوبا من كرواتيا أن تكرّس نفسها كدولة حامية للحريات وحقوق الإنسان، وذلك من خلال الاعتراف الحقيقي بكافة الأقليات القومية الموجودة فوق أراضيها، ومنها الصربية والمسلمة وغيرها، ومنحها كافة الحقوق التي تنص عليها شرعة حقوق الإنسان، والقوانين الدولية وغيرها.

وأبرزها مساعدة مهجّري الحرب على العودة إلى منازلهم التي طُردوا منها بسبب خلفيتهم العرقية أو الدينية، وتأمين البيئة اللازمة لهم لكي يتمكنوا من العيش بأمن وسلام مع كافة فئات المجتمع الأخرى. ولا شك بأن كرواتيا قد قطعت أشواطا كبيرة في مسألة تعاونها مع المحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة.

وذلك من خلال تسليم كثير من المطلوبين ومنهم جنرالات يتمتعون بشعبية محلية كبيرة، كما أثبت قضاءها نضجا لا بأس به في التعامل مع هذه القضايا الحساسة وهو ما أسقط بطبيعة الحال أهم الحواجز التي كانت تقف حجر عثرة بوجه إطلاق محادثات العضوية معها.

أما على الصعيد الإقليمي فإن أمام كرواتيا مهام أكثر تعقيدا. فالخلافات الكثيرة التي تحكم علاقاتها مع الدول المجاورة والتي لم تتمكن حتى اليوم من إيجاد حل ناجع لها، إنما تلقي بظلالها القاتمة على سمعتها كبلد يسعى للتحرر كليا من مشاكل الماضي.

وإذا أردنا تناسي المشاكل الكثيرة التي لا تزال قائمة مع صربيا باعتبار أنها جزء من الحرب وأن حلّها بالتالي يتم ضمن مشروع دولي شامل، فإن أبرز تلك المشاكل هي القائمة حاليا مع سلوفينيا، الدولة الحليفة السابقة التي تمكنت من التكامل مع الاتحاد الأوروبي بسرعة متناهية.

حيث أن الصراع الحدودي بين البلدين كاد أن يهدد السلم القائم بينهما، ويبقى بالتالي ماثلا كلغم حقيقي يمكن أن ينفجر بأية لحظة بسبب النزعات القومية المتشددة التي تبقى للأسف سمة ملازمة لشعوب هذه المنطقة.

يضاف إلى كل ذلك الخلاف القائم بين البلدين حول طريقة تفسير الصراع القائم منذ أعوام بين مواطنين كرواتيين وبنك لوبليانا السلوفيني، الذي قرر أن يرث أموال هؤلاء المواطنين كجزء من عملية تقسيم ممتلكات الفيدرالية السابقة، وكذلك الصراع البارد (المشتعل أحيانا) بين كرواتيا وإيطاليا بسبب بعض الخلافات الناجمة عن مرحلة الحرب العالمية الثانية، والتي كادت في فترة من الفترات أن تؤدي إلى شرخ دبلوماسي بين البلدين.

بطبيعة الحال فان جميع هذه القضايا قد تكون قابلة للحل خلال الفترة المقبلة في حال استلمت السلطة في البلاد حكومة وطنية قوية ذات بعد أوروبي شامل. أما إذا أضحى الجمود السياسي واقعا فعليا مثلما يتوقع البعض في كرواتيا، فإن عبئا جديدا سيضاف إلى كاهلها المثقل بالمشاكل.

كاتب لبناني