دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في مؤتمر انابوليس إلى بدء مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين و«إسرائيل».

وقال إن مفاوضات الوضع النهائي يجب أن تبدأ بشكل جدي ويجب أن تتعامل مع مسائل القدس، واللاجئين، والحدود، والمستوطنات في الضفة الغربية، والأمن والمياه. وأضاف «أن المخطط الأوسع لهذه المواضيع واضح».

وتابع قائلاً «ليس هناك سبب بأنه لا يمكن حلها في العام 2008»!!

هناك تفسيران لتفاؤل بان كي مون بإمكانية حل كل هذه المواضيع الحساسة بعد سنة!!! أولهما أن كي مون يتكلم بصفته الأمين العام للأمم المتحدة وبان الحل سيكون عن طريق الشرعية الدولية وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي 224 و338 بانسحاب «إسرائيل» من الأراضي المحتلة، وهذا غير وارد لان التفاوض سيكون معتمداً كما أعلنه جورج بوش، الرئيس الأميركي، على خريطة الطريق، أي أنها معتمدة على مقاربة أمنية.

وهذا معناه «تفكيك الشبكات الأمنية في الأراضي الفلسطينية» أي الدخول في حرب مع حماس. وثانيهما، أن كي مون غير مطلع على تاريخ النزاع العربي ـ «الإسرائيلي»، وأن «إسرائيل» وأميركا لهما باع طويل في خرق القرارات الدولية المتعلقة بقضية فلسطين واستخدام حق الفيتو لإجهاض أي مشروع في صالح القضية الفلسطينية.

وهذا ما أكده رئيس الوزراء «الإسرائيلي» ايهود اولمرت بعد ساعات على إعلان الرئيس الأميركي عن إطلاق مفاوضات بين «إسرائيل» والسلطة الفلسطينية، للتوصل إلى اتفاق سلام خلال عام 2008، إن ذلك قد لا يتحقق، كما اعتبر افي ديختر وزير ما يسمى الأمن الداخلي أن الجدول الزمني الذي تم تحديده في «انابوليس» «غير واقعي».

المؤتمر ركز على التطبيع العربي ويهودية «إسرائيل». اليس يهودية «إسرائيل» اختزال لمرحلة المفاوضات النهائية وما يتعلق بها من قضايا؛ الحدود، والأمن واللاجئين، والقدس؟

فيما يتعلق بمسألة الحدود، ألم تحدد «إسرائيل» وبمباركة أميركية، الحدود النهائية عن طريق بناء الجدار العنصري العازل ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية؟ هل تمت إزالة المستوطنات «الإسرائيلية» أو وقفها في الضفة الغربية كبادرة على «حسن نية «إسرائيل» تجاه المفاوضات؟ هل «إسرائيل» مستعدة للانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967؟

وفيما يتعلق بالأمن؛ قالت «إسرائيل انه لن يتم تنفيذ أي اتفاق قبل أن يفكك الفلسطينيون الفصائل، فيما يقول الفلسطينيون إن الاحتلال «الإسرائيلي» في الضفة الغربية يعرقل جهودهم.

وفيما يتعلق باللاجئين؛ تصر «إسرائيل» على عدم السماح بحق عودة رسمي لملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى ما يطلق عليه الآن دولة «إسرائيل». وبعد إقرار «إسرائيل» والولايات المتحدة «بيهودية» «إسرائيل» أليس هذا مخطط آخر «للترانسفير»؟

القدس هي العقبة الكؤود أمام المفاوضات؛ ابومازن يطالب بان تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية في المستقبل. وتعتبر «إسرائيل» القدس بشطريها الشرقي والغربي عاصمة لها.

تعددت الأفكار والمقترحات المطروحة منذ فشل كامب ديفيد الثانية في عام 2000 بشأن تسوية قضية القدس، ما بين تقاسم السيادة وإخضاع المدينة المقدسة لسيادة إسلامية تمثلها لجنة القدس، وإدارة فلسطينية ـ «إسرائيلية» مشتركة لعاصمتين في المدينة وصولاً إلى تدويل البلدة القديمة وإخضاعها لإشراف مجلس الأمن الدولي.

القرارات بشأن القدس وتدويلها تعود بنا إلى الأيام الأولى لنكبة فلسطين عام 1947، حينما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية حسب القرار الدولي 181 ووضع القدس تحت السيادة الدولية.

هل «إسرائيل» جادة في الوصول إلى سلام شامل وعادل كما يطلبه العرب وحسب قرارات مؤتمر بيروت، وهل أميركا جادة في المساعدة في قيام دولة فلسطينية بما فيها انسحاب «إسرائيل» إلى حدود عام 1967 واعتبار القدس العاصمة الأبدية لفلسطين؟

أم أن هذا المؤتمر كغيره من المؤتمرات السابقة ابتداءً من 1967 وحتى 1993 مروراً بكامب ديفيد ما هو إلا مهرجان خطابي وبعيدا عن الواقعية كما وصفها كثير من المسؤولين العرب وأيضاً «الإسرائيليين»!

المؤتمر جاء في فتره تعاني فيها أميركا الأمرين في العراق بسبب الاحتلال، وفي وقت أصبحت صورة وسمعة أميركا في الحضيض وخاصة في العالم العربي والإسلامي، وأصبحت شعبية بوش في أدنى مستواها حتى في استطلاعات الرأي العام في أميركا.

لماذا حددت أميركا عام 2008 للانتهاء من قضايا الوضع النهائي؟ أليس هذا يتزامن مع أو قبيل انتهاء ولاية جورج بوش؟

السؤال الذي يطرح نفسه، هل أميركا معنية فعلا بتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط؟ ولماذا تغاضت عن ذلك قرابة ـ ما ينوف على نصف قرن ـ منذ بداية الاحتلال وممارساته المخلة بالقانون وحقوق الإنسان والإدانات المتتالية من قبل مجلس الأمن، دون محاولة جدية ومتوخية العدل والحياد كأسس هامة لتحقيق مثل هذا الهدف النبيل؟

ولماذا عارضت أميركا الكثير من قرارات مجلس الأمن بشأن قضية السلام وخصوصاً فيما يتعلق بالانتهاكات «الإسرائيلية»، ومعارضتها المتواصلة لقرار الجمعية العامة بعقد مؤتمر سلام تحت إشراف الأمم المتحدة لحل النزاع العربي«الإسرائيلي».

هل المؤتمر بداية للتطبيع بين الدول العربية و«إسرائيل»؟ هذا ما نفته السعودية ومصر كل على حدة، رفضهما لدعوات التطبيع مع «إسرائيل» والاعتراف «بيهوديتها».

وقال أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري إن التطبيع مرتبط بانسحاب «إسرائيل» إلى حدود الرابع من يونيو 1967.ووصف المطالبات «الإسرائيلية» بـ «يهودية» الدولة بـ «المفتعلة». وأكد الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى على أن العرب ليست لديهم نية في إجراء تطبيع مجاني.

لقد فشل المؤتمر قبل أن يبدأ لأنه تجاوز الثوابت والخطوط الحمر في الصراع العربي «الإسرائيلي» وقضاياه المصيرية، وليس أدل على ذلك سوى خطاب اولمرت تذكير بوش بكتاب الضمانات لرئيس الوزراء السابق ارييل شارون، الذي تضمن التزاما ينسف حق العودة.

متجاهلين (الولايات المتحدة و«إسرائيل») بان هناك قرارات دولية تضمن حقوق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وأهمها القرار 194 . إذا كانت أميركا جادة فعليها أن تلعب دور الوسيط النزيه وليس دور «محامي الشيطان» وهذا ما لا نتوقعه!

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.au.ae