توزع موضوع مؤتمر انابوليس بين مؤيد بفتور ومعارض بقوة حتى كدنا نقول إن هناك أول شهيد في الخليل اسمه «شهيد انابوليس» والغريب أن هذا الشهيد سقط برصاص فلسطيني فتناثر الدم الفلسطيني فوق الأرض بأيد فلسطينية، فلم تجد السلطة الفلسطينية ذريعة لمثل هذا الحدث غير أن تقول للإعلام إنها ستشكل لجنة للتحقيق في الحادث.

ويبدو أن الصوت الفلسطيني الرسمي تعلم كيف يعالج أزماته بلغة دبلوماسية لشارع غاضب لا يعرف أين تتوجه جماهيره بالضبط كلما تم تحريك عاطفته باتجاه القضية الفلسطينية المعرضة « للبيع والمساومة».

هكذا تم زرع الفكرة بقوة في أذهان الجمهور الفلسطيني لكي تدفعه الأصوات المعارضة للمؤتمر للاحتجاج بحجة انه لقاء تاريخي لبيع القضية الفلسطينية، وبأن الذاهبين إلى هناك ليس إلا لترتيب حقائب البيع والشراء والمساومة والتنازل.

وقد نجح المعارضون المتشددون باسم الشعب الفلسطيني في تحريك شارع غابت عن ناظريه مسألة الشفافية وعودته القيادات العربية الالتفاف على مصيره التاريخي بأنها تفاوض بالنيابة عنه في لحظة تاريخية صعبة.

ولكون الشفافية في مسائل مصيرية باتت سرية ومغلقة في الأدراج ولا يعرف أسرارها إلا من هم في قمة الهرم السياسي في السلطة الفلسطينية.

مما أتاح للجهات المعارضة فرصة اللعب بعاطفة جمهور عاش الأمل دائما، بينما في كل منعطف تاريخي يتم عرضه في المزاد السياسي بصورة طارئة ومستعجلة، بل ويتم التلاعب بمصيره بشكل يتسم بالفردية والاحتكار والإقصاء إلى أبعد حدود تحت حجج أن هناك أطرافا لا يمكن أن يتم التفاوض معها لكونها قوة انقلابية.

ولكونها قوة متشددة كحركة حماس وغيرها من التنظيمات الفلسطينية التي من حقها أن تقول كلمتها قبل ذهاب الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر انابوليس.

ليس بالضرورة أن يتفق الجميع على محتوى ومضمون وتوجهات المؤتمر، بل ولم تفهم الجماهير الفلسطينية وأصواتها المعارضة المختلفة ما هي أبعاد هذا المؤتمر، خاصة وان من يديرون مسألته كوسطاء جهات لا يمكن الوثوق بها لكونها ليست طرفا محايدا، كالولايات المتحدة الأميركية.

والتي يحاول رئيسها أن يجني ثمرة من ثمرات فشله قبل الرحيل من مقعده الرئاسي خلال الشهور المتبقية، إذ لا يعرف الجانب الإسرائيلي ما الذي سيحدث فيما لو رحل صديقهم الرئيس، وكيف ستتعامل إسرائيل مع الرئيس القادم ؟

بل وسعت الولايات المتحدة وإدارة بوش إلى عزل أطراف مهمة في هذا المؤتمر قدر الإمكان كروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، غير أن الطرف الفلسطيني والجهات الثلاث نفسها أصرت على أن من حقها الدخول كأطراف مهمة في قضية حل الصراع الطويل في المنطقة، وبات يهم الجميع مسألة قيام دولتين متجاورتين، يباركها المجتمع الدولي وتحقق للمتفاوضين شروط متكافئة أثناء الجلوس على طاولة الحوار.

وإذا ما سلمنا جدلا أن لقاء انابوليس ليس إلا ترتيب مسألة انطلاقة عملية السلام والتفاوض بين الطرفين، والتي شابها تعثر وجمود طوال هذه الفترة، وإذا ما اقتنعت الدول العربية، وجلست بهدوء حذر مقابل الوفد الإسرائيلي واستقبلت أنفاسه المباشرة، مع أنها فضلت الدخول من أبواب مختلفة.

ورفضت المصافحة، فإن مسافة الحوار بين الأعداء لم تكن متوترة ولم تتسم بالجهامة قط، وإنما حاول الجميع أن يوزع ابتسامة الرضا التي رفض الاجتماع نقلها بكل شفافية إعلاميا، فربما تلتقط عدسة ما ابتسامات عريضة بين هذا الوفد العربي أو ذاك مع «عدوه اللدود !» والذي يسعى من وراء مشروع الدولتين المتجاورتين، ليس بهدف مسألة السلام والأمن وحده، وإنما لفك عزلة تاريخية طويلة، والانتقال إلى مرحلة أهم هي بناء شراكة حقيقية في المنطقة العربية بين إسرائيل وجيرانها العرب.

خاصة وان الجيران الأبعد قليلا غارقة بلدانهم بمشاريع تنموية مهمة، ومن الضروري الاهتمام بثرواتها واستثماراتها المستقبلية، فإسرائيل تفكر كيف تبيع خبرتها العلمية والتكنولوجية في حقول مهمة ومتقدمة الدول العربية بحاجة إليها.

وإذا ما توقفنا قليلا إزاء المسألة النووية السلمية التي تنوي دخولها الدول العربية، فإن الأرضية تتحرك في اتجاه التقارب والتماثل نحو التطبيع وفك حصار العزلة التاريخية، ولو على الأقل رسميا، لكي تنتقل إسرائيل لاحقا وبالتدريج إلى عملية التطبيع مع المجتمعات المدنية العربية.

فهذه الترتيبات الحيوية والمهمة تخلق مناخا من العلاقات يساهم في عزل بعض البلدان العربية عن الجوار الإيراني الذي يشكل لدى إسرائيل كابوسا وعدوا استراتيجيا لا بد من كسر عموده الفقري بكل الوسائل إلا في حالة تنازله عن أطروحاته المعادية إلى إسرائيل وتبديل الخطاب السياسي الراهن.

ما ناقشه الطرفان في مؤتمر انابوليس هو التحريك والانطلاقة وترتيب الأجندة، بحيث يتغلب الطرفان ـ بتوصية أميركية ـ على كل العقبات وتذليل المصاعب التاريخية بما فيها حالة الكراهية والتصلب.

من هنا كان كوشنير يدعو لحالة رومانسية في التفاوض، وبمعنى سياسي خلق مناخ عاطفي وودي بين خصوم تاريخيين، الأول سرق أرض الثاني ويحاول الآن التفاوض معه على النصف المتبقي لكي يسلبه الجزء الأفضل ويغرز مستوطناته في مناطق الاحتلال التي ظلت تحت هيمنة دباباته منذ عام 1967.

ومن راقب خطاب أولمرت وعباس سيجد أن هناك مشروعين جاء بهما الاثنان عبر خطابيهما، وهو تمهيد للأجندة القادمة للتفاوض. وسنرى أن تلك الأجندة قررت البدء بالتفاوض فورا بالحدود واللاجئين والقدس.

وإذا ما قرأنا بعجالة المسائل الثلاث فإنها تبدو على الورق سهلة وطيعة ورومانسية كما يود تسميتها كوشنير الفرنسي، غير أنها ستكون عقيمة تارة وصعبة ومعقدة لمرات في حالاتها الكثيرة محاولا كل طرف إقناع شعبه بأنه مفاوض ضروس ولن يتنازل عن حقوقه التاريخية ولو قيد أنملة، مع أن التصريحات الإعلامية يسميها أولمرت بدبلوماسية كاذبة «تنازلات أليمة».

لن تكون المفاوضات ثنائية إلا ظاهريا، فهناك خلف الكواليس مراقبون يتدخلون بين اللاعبين كلما حدث «فاول» سياسي، بل ويغطون ويلوحون بأصابع التهديد بتمرير ما يمكن تمريره، المهم أن لا تتوقف عجلة السلام والحوار، فالجميع يسميها «الفرصة التاريخية».

وعلى الطرفين قضم تفاحة حواء المغرية. لقد دفعت عملية الصراع والتفاوض دما وألما طويلا « كان من تراجيديته اغتيال زعماء مثل رابين والسادات، وكان بالإمكان ان يكون أي قائد آخر، وسكبت دماء غزيرة، ولعل اللاجئين والمحتلة أرضهم ينعمون ولو بالنصف المتبقي من أرضهم بسلام، ويتمتع المحتل بما لديه من ارث النهب التاريخي القديم وتدشين الحلم في ارض الميعاد.

ولكي ينجح المفاوض الفلسطيني في فرض شروطه عليه أن يتمترس بجبهته الداخلية الموحدة، ويتعلم من جيرانه القبارصة، حيث تم تشكيل المجلس الوطني من القوى جميعها بجانب الحكومة الرسمية كشريك مهم في ملف يهم الجميع دون استثناء.

كاتب بحريني