في الفترة ما بين 11/11 و25 /11/ 2007 استضافت جمهورية مصر العربية على مدى أسبوعين الدورة الرياضية العربية الحادية عشرة والتي تعتبر بمثابة أولمبياد العرب.

وقد نجح المصريون في إخراج الدورة بشكل جيد، بل ممتاز خاصة عرض الافتتاح الذي تم التركيز فيه على تاريخ العرب وإنجازاتهم في مختلف الحقول، منها العلمية والثقافية، ورافقت فقرات العرض الأغنية الوطنية المعروفة «وطني حبيبي الوطن الأكبر».

هذه الأغنية التي ألهبت حماس الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج في ستينات القرن الماضي، حماسها الذي قادها إلى التحرير والاستقلال، لكننا في هذا القرن نحتاج إلى أكثر بكثير من الأغاني، لأننا لا نسمع غيرها، والظاهر أنها لن تقودنا إلا إلى التفكك والانحطاط!!

مع ذلك في هذه المناسبة وخلال ساعات العرض تفاعلت الجماهير الحاضرة في استاد القاهرة مع الأغنية واللوحات الرائعة المرافقة لها التي تفنن شباب مصر بتقديمها وكانت روعة في الإبداع، وكأن شباب مصر في هذا الحفل أراد أن يقول للعالم وللعرب بصفة خاصة إنه مهما حاول البعض سيظل هو القاعدة الأساسية لهم والقمة الطامحة إلى التقدم بهم، وقوته سوف تظهر من جديد رغم محاولات كبتها.

ومصر إن كبرت واستقوت كبر العرب واستقووا، وسوف يأتي يوم يكون فيه غدنا أحسن من حاضرنا، هذه هي مصر لكل من يهمه الأمر.

تابع العرض جماهير غفيرة مصرية وعربية بما فيها الوفود المشاركة في هذه الدورة برياضييها وإدارييها ومشجعيها، وقد انتهت الدورة بانتزاع مصر المرتبة الأولى وحصولها على أكبر عدد من الميداليات، أما دولة الإمارات فقد حصدت 25 ميدالية منها 7 ذهبيات تعززت بفوز ذوي الاحتياجات الخاصة بعشر ميداليات منها 3 ذهبيات، ليكون الإجمالي 35 ميدالية.

وانطلاقاً من هذه الدورة علينا أن نعد العدة للمستقبل لأن شباب الإمارات متى هيئت لهم الظروف والإمكانيات المناسبة، باستطاعتهم المنافسة في البطولات العربية والقارية والدولية والذهاب إلى أبعد مما تحقق الآن بعيداً عن التشاؤم والاحباط.

وكنت مع الإخوة الإداريين وبينهم يوم الافتتاح وخلال هذه الدورة وكانت صحبة جميلة تخللتها حوارات أجمل وذكريات رياضية استرجعناها مع بعض الإخوة الإعلاميين. أما فريق العمل التنفيذي فكان مستواه وهمته فوق العادة فبذل كل في موقعه أقصى جهد لراحة اللاعبين وتلبية طلباتهم.

وكان هذا الفريق مثل خلية نحل تعمل وتتحرك في كل موقع لتحل مشاكل اللاعبين في معسكراتهم في فنادق مختلفة، مع ذلك لم تخل الدورة من بعض المشاكل الإدارية والتنظيمية مثلها مثل كل الدورات الكبيرة، فكان علينا أن نتقبلها ويتقبلها اللاعبون بروح رياضية.

أما أركان السفارة بقيادة سعادة سفير دولة الإمارات في القاهرة، فلقد كانوا خير معين لإدارة البعثة ووفروا كل الإمكانيات لإنجاح مهمتها خاصة بتواجدهم في كل المناسبات مما كان له الأثر الكبير في نفوس اللاعبين، فلهم منا كل الشكر والتقدير.

هذا عن الدورة، أما عن القاهرة المدينة المستضيفة فمازالت كما يفتخر بها المصريون، «أم الدنيا» مدينة عتيقة وكبيرة بها مشاكل ككل المدن الكبرى في الشرق الأوسط والعالم الثالث.

وبالذات في الانتقال من موقع لآخر وهي مشكلة الازدحام المروري، مع أن هذه مشكلة كل المدن بل مشكلة القرن، وحتى دبي تواجهها، لكن التنظيم المناسب لحركة السير والمرور والالتزام بقواعد وقوانين السير والسعي الدائم لإيجاد حلول بديلة، هو الذي يفرق بين مدينة وأخرى.

فالمشكلة في القاهرة هي عدم التزام السائقين بالنظام، فالكل له الأسبقية دون الاهتمام بالآخر والكل يوقف سيارته أينما يشاء، لا كما يقول نظام المرور، وبالصدفة خلال مرورنا بأحد الشوارع لاحظنا وجود سيارة واقفة وسط جزيرة الشارع العام، عندما سألنا عن السبب هل هي عطلانة؟! كان الجواب، إن صاحبها ذهب لقضاء مشوار في مكان قريب!

كما فوجئنا عندما دخل مرافقنا بالسيارة على الدوار عكس السير ولف حوله بشكل مخالف، وقال ضاحكاً هذا هو أسلوب قيادة السيارات عندنا، فإن فعلت غير ذلك فأنت لست في القاهرة.

لماذا كلما زرت مدينة عربية أتساءل هل هناك مشكلة بين المواطن العربي وبين الالتزام؟

بالرغم من هذا فالقاهرة مدينة جميلة بمبانيها التاريخية القديمة وسط المدينة، ووسط البلد كما يقال.

هذه المباني التي شاخت وهرمت لكنها متماسكة وكأنها سيدة أرستقراطية تفتخر بجمالها ووقارها وتثق بنفسها وتقف شامخة ليتم التفريق، والمقارنة بينها وبين هذا الكم من البنايات الحديثة المكدسة كعلب الكبريت مع أنها كغيرها مع الأسف بلا نظافة ولا صيانة، ولا تجد من يرحمها!

وأتساءل مرة أخرى هل المسؤولون في كثير من الدول العربية حريصون على تجديد أنفسهم فقط؟

خلال هذه الفترة زرنا مدينة الإسماعيلية لمتابعة مباراة كرة القدم بين منتخبي الإمارات والسعودية، وكان في استقبال البعثة مشكورين سعادة محافظ الإسماعيلية ورئيس النادي الإسماعيلي، وقمنا بجولة سريعة في هذه المدينة التي تمتاز بطابع خاص تختلف به عن باقي المدن المصرية.

حيث كانت في منتصف القرن الماضي واحة جميلة يسكنها الأجانب العاملون في قناة السويس. فذهبنا إلى فندق مطل على القناة للاستراحة ومشاهدة القناة. وكعادة المصريين في الترحاب وحسن الضيافة أقام فاروق حسني وزير الثقافة عشاءً خاصا لنا في منزله في القاهرة، دار خلاله حوار حول القضايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية العربية.

وكانت ليلة شاعرية في موقع جميل مطل على النيل ودفء أجواء تزينه لوحات فنية رائعة، وبوجود أصحاب وأصدقاء مميزين بعيداً عن السياسة والرياضة.

هذه هي مصر أم العرب، والقاهرة أم الدنيا وأم المدن العربية، مع أني شخصياً كنت أفضل أن تتماشى مع العصر وتصبح بنت الدنيا، على الموضة أو «النيولوك» الدارج هذه الأيام.

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com