قبل أن يمضي أسبوع على أنابوليس، بدأ تمزيق الوعود؛ في إسرائيل رئيس الحكومة ووزراء تناوبوا على تفريغ المؤتمر من أية التزامات، وسارعوا بل تسابقوا على التشديد والتأكيد بأنه لم تصدر أي تعهدات من شأنها تقييد تل أبيب في المفاوضات.

أولمرت نفى في اجتماع الحكومة الأسبوعي وجود مدة محددة للعملية، «قطعاً ليس هناك أي التزام بجدول زمني لهذه المفاوضات»، على حد قوله، فقط هناك «أمل بإنهائها خلال العام المقبل».

كما أضاف، وعندما سئل عن احتمال التوصل إلى تسوية خلال العام 2008، رد بأن ذلك «يبدو اليوم مستحيلاً»، وزيرة خارجيته ليفني، أكدت هي الأخرى «عدم التزامنا بشيء»؛ على حد ما قالت، وزير الدفاع باراك، أدلى هو الآخر بدلوه، مرجحاً عدم انجاز اتفاق خلال السنة المقبلة.

وهو أصلاً غير متحمس لفكرة تجديد المفاوضات مع الجانب الفلسطيني حول قضايا الحل النهائي، وزارة العدل تواصل محاولاتها لإقامة مستوطنات جديدة في الضفة ولتوسيع أخرى على أراضٍ فلسطينية خاصة؛ حسب تقارير إسرائيلية موثقة، أما اليمين المتطرف فهو لم يعترف بالمؤتمر أصلاً.

وكل ما رأى فيه أنه كان «من دون طائل» ومثله كان المزاج العام في إسرائيل، حيث كشفت الاستطلاعات ان 72 إلى 83% من الإسرائيليين يستبعدون الوصول إلى أية تسوية مع الفلسطينيين، خلال أو مع نهاية 2008.

وبالترافق مع حفلة تقطيع الوعود هذه والتنصل منها قبل جفاف حبرها، بدأت حكومة أولمرت بقطع إمدادات الوقود بنسبة 75% عن قطاع غزة. يتزامن ذلك طبعاً ليس صدفة، مع دخول فصل الشتاء، فذلك يضمن تشديد الحصار وجعله أكثر إيذاء؛ بحيث تكون العقوبة الجماعية أوسع وأقسى.

وفي امتداد مشهد التراجع هذا واستكمالاً له، أقدمت إدارة الرئيس بوش على خطوة غير مسبوقة. وأيضاً محرجة لها، ومع هذا لم تتردد، نزولاً عند رغبة إسرائيل.

فور انتهاء أنابوليس تقدمت بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي، ينطوي على موافقة هذا الأخير على التوافق الذي حصل بين إسرائيل والجانب الفلسطيني للدخول بمفاوضات الحل النهائي وإنجازه في غضون سنة واحدة. حصلت على تأييد الأعضاء الـ 15 في المجلس، لكن قبل مضي 24 ساعة على رفع المشروع، سارعت إلى سحبه.

إسرائيل اعترضت وواشنطن استجابت، بالرغم من الإرباك والإحراج. الذريعة الإسرائيلية أن السفير الأميركي في الأمم المتحدة لم يتشاور مع نظيره الإسرائيلي، كفاية، حول الموضوع، السبب الفعلي الذي من أجله أقامت تل أبيب الدنيا ولم تقعدها، إن من شأن هكذا سابقة أن تشكل مدخلاً للأمم المتحدة كي يكون لها دور في المفاوضات. وهذا ما لا تطيقه إسرائيل، وكانت باستمرار رافضة له.

النقطة هنا تتمثل في مدى وسرعة الانصياع الأميركي للطلب الإسرائيلي. قوة عظمى تبلع كلامها بهذا الشكل وبما يشبه الهرولة، فقط لأن إسرائيل تريد ذلك؛ هذا يشي بالكثير؛ الذي لا يليق بالولايات المتحدة، خاصة وأن المشروع كان يمكن أن ينتهي بصيغة بيان صادر عن مجلس الأمن بتأييد أنابوليس.

فإذا كانت إدارة الرئيس بوش لا ترغب ولو على حساب هيبتها، أن تذهب بمثل هذه الخطوة إلى مداها كي لا تغضب إسرائيل فكيف يمكنها أن تلعب حتى دور المساعد أو المسهِّل كما وعدت؛ عندما تصطدم المفاوضات كما هو متوقع بالتعنت الإسرائيلي؟