كان بسام أبوشريف المستشار السياسي للرئيس الراحل قد بدأ مسيرة التفاؤل الفلسطينية ـ العربية إزاء مؤتمر أنابوليس حينما أعرب عن تفاؤله الشديد بـ «أن 2007 سيكون عام قيام الدولة المستقلة».

ليأتي الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليعلن قبيل انعقاده بنحو أسبوعين أن مؤتمر أنابوليس للسلام يشكل فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، مضيفا «إن الفرصة التاريخية» أساسها قيام دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف واستعادة الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في 1967 وتحقيق الأمن والسلام لنا وللإسرائيليين ولدول وشعوب المنطقة.

وبعد انعقاده أعلن الرئيس الفلسطيني ثانية: ان المؤتمر الدولي في أنابوليس وضع القطار «على السكة» لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وقال للصحافيين في واشنطن ردا على سؤال حول ما إذا كان مؤتمر أنابوليس قد قرب الفلسطينيين من قيام دولة فلسطينية كما يطمحون «وضعنا القطار على السكة»، وأضاف: نحن متفائلون بالنتيجة التي وصلنا إليها، جئنا بهدف ونستطيع أن نقول إننا حققنا هذا الهدف.

أما صائب عريقات رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير وعضو الوفد الفلسطيني المفاوض في أنابوليس فذهب ابعد من كل ذلك بإعلانه أن مرحلة جديدة قد بدأت في التاريخ الفلسطيني بعد مؤتمر أنابوليس، حيث إن مفاوضات التسوية الدائمة ستبدأ بشكل متواصل ومن دون علاقة بأية شروط إسرائيلية مسبقة».

وذلك على خلاف أولمرت الذي قالها بصراحة: «إن مؤتمر أنابوليس لم يكن نقطة تحول تاريخية بل نقطة انطلاق مساعدة» مشيراً إلى «أن المفاوضات ستكون صعبة ومعقدة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وستحتاج إلى قدر كبير من الصبر»، مؤكداً «أن انهيار خيار حل الدولتين يعني نهاية دولة إسرائيل».

فهل هي الأمور يا ترى كذلك فعلا كما يراها أقطاب التفاوض الفلسطينيون؟

أم أن كل هذه التصريحات علاقات عامة؟

أم أنها أوهام لا تعكس سوى أحلام الضعيف العاجز؟

أم أن هناك وراء الأكمة ما وراءها!

نعتقد أن في تجربة المفاوضات السابقة بمحطاتها المختلفة دروسا وعبرا لا حصر لها لمن يريد أن يستخلصها، وخاصة تجربة محطة كامب ديفيد -2- التي قاد فشلها الصارخ ليس فقط إلى الكشف عن حقيقة النوايا والخرائط الإسرائيلية معززة بالتأييد الأميركي، وإنما قادت أيضا إلى اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000.

فقبيل عقد قمة الكامب بنحو شهرين ونصف كان ياسر عبد ربه قد أوضح مبكراً: «أن وجهة النظر الإسرائيلية في المفاوضات تقوم على أساس مقايضة إعلان الدولة الفلسطينية مقابل سلسلة طويلة من التنازلات الجوهرية التي تشتمل الأرض والقدس واللاجئين»، ثم أضاف لاحقاً مؤكداً: «إن إسرائيل تطرح علينا دولة كانتونات بدون حدود وسيادة».

وفي أعقاب انتهاء قمة الكامب بالفشل كثف عبد ربه نفسه المفاوضات بالعبارات التالية:

«إن مفاوضات الكامب ـ2- لم تكن فرصة فأهدرناها، وإنما كانت مؤامرة وأحبطناها»، وكانت أيضاً «مصيدة للفلسطينيين»، كما أكد الدكتور أسعد عبد الرحمن في مقالة نشرتها له صحيفة الرأي الأردنية.

بينما أكد الرئيس محمود عباس آنذاك «أن الذي عرض علينا- في الكامب- ليس حلاً، وإنما هو تنظيم لأسوأ أنواع الاحتلال»، ثم عاد أبومازن ليكشف المزيد من تفاصيل ما جرى في سجن الكامب خلال مؤتمر صحافي مع صحيفة الأيام الفلسطينية قائلاً:

شعرنا في كامب ديفيد كأننا في سجن فعلاً وكان الأميركيون والإسرائيليون يمارسون علينا طوال الوقت الضغوط الفردية والجماعية، بمعنى علينا كمجموعة وعلينا كأفراد، من أجل أن نقبل ومن أجل أن لا نضيع الفرصة ومن أجل أن لا نندم، كانوا يضعون صورة سوداء فيما إذا رفضنا نحن هذا، ولكن المسألة هي مسألة مسؤولية تاريخية ومسألة مصيرية بالنسبة لشعبنا وبالتالي لا نستطيع أن نقبل مهما كانت هذه الضغوط وفعلاً تحملناها.

وجاء في اللقاء مع أبومازن أيضاً:

س- هل وصلت هذه الضغوط إلى حد التهديد بالقتل مثلاً ؟

ج- لم يحصل تهديد بالقتل ولكن حصل تهديد.. لقد وصلتنا رسائل تهديد من شاكلة إذا لم تقبلوا فستنتهي سلطتكم، وإذا لم تفعلوا هذا ستنتهون، وإذا لم تقبلوا فسيلعنكم شعبكم، وإذا لم تفعلوا هذا فإن الولايات المتحدة ستتخلى عنكم، وإذا لم تقبلوا فلا نعرف ماذا سيكون مصيركم، وهذا كله كان يقال لنا منفردين ومجتمعين.

وكان أحمد قريع «أبو العلاء» رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وأحد كبار المفاوضين الفلسطينيين قد أكد في أول شهادة رسمية فلسطينية حول كامب ديفيد:

«إن القول بأن الفلسطينيين رفضوا عرضاً قدمه باراك هو أكبر كذبة خلال العقود الثلاثة الماضية»، وكان أحمد قريع نفسه قد أوضح في حوارات ما بعد كامب ديفيد التي نشرت في صحيفة الدستور الأردنية :«انه لم يحدث أي تقدم جوهري في أي ملف من ملفات التفاوض في كامب ديفيد».

لقد قبل الفلسطينيون وفقا للرواية الفلسطينية بالحل الوسط، ففي اتفاقيات أوسلو اعترفوا بالسيادة الإسرائيلية على 78% من فلسطين التاريخية، أي 23% أكثر مما تم منحه لإسرائيل بموجب خطة الأمم المتحدة للتقسيم لعام 1947، على افتراض أن الفلسطينيين سيستطيعون ممارسة السيادة على نسبة 22% المتبقية لقد قبلت الغالبية العظمى من الفلسطينيين بهذا الحل الوسط.

لكن هذا الحل البالغ السخاء تم تجاهله في كامب ديفيد، وطلب من الفلسطينيين تقديم حل وسط بشأن الحل الوسط وتقديم المزيد من التنازلات لمصلحة إسرائيل، مع أن بإمكان الفلسطينيين الاستمرار في تقديم الحلول الوسط، لا يتوقع من أي شعب تقديم حلول وسط بشأن حقوقه الأساسية أو إمكانية الاستمرار والتطور لدولته.

فأين المقترحات والاستعدادات الإسرائيلية اليوم في أنابوليس وما بعده من تلك المقترحات الإسرائيلية الأميركية في الكامب -2- إذن؟ جيد أن يأتينا الجواب هنا على لسان القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية حاييم رامون الذي كشف النقاب في مشادة كلامية جرت بينه وبين وزير الدفاع باراك عن أن ما تعرضه إسرائيل على الفلسطينيين في أنابوليس- هو أقل من نصف ما عرض في كامب ديفيد عن عرب 48-22/11/2007.

وأضاف رامون: لو عرضنا على الفلسطينيين نصف المواقف التي عرضت في كامب ديفيد، لكننا نصل إلى أنابوليس مع وثيقة تشتمل على اتفاق حول القضايا الجوهرية.

هكذا هي الأمور إذن، إذ تزودنا الرواية الفلسطينية الرسمية كما هو واضح في النص أعلاه يضاف إليها اعتراف رامون بجملة من الوقائع والحقائق والمجريات التفاوضية التي شهدتها مفاوضات الكامب ـ2- ، وكلها في حصيلتها تبين لنا ببالغ الوضوح أيضاً أن مقترحات باراك السخية ـ آنذاك - لم تكن في حقيقة الأمر سوى إعاده تنظيم لأسوأ أنواع الاحتلال الاستعماري كما جاء على لسان الرئيس الفلسطيني أبومازن.

ولذاك يطرح هنا السؤال الكبير:

- لماذا إذن كل هذا التطبيل والتزمير والتضخيم لمؤتمر أنابوليس؟

طالما انه لم يطرح فيه من قبل إسرائيل أو الإدارة الأميركية ما يصل إلى نصف ما عرض على الفلسطينيين في الكامب -2- على يد باراك السخي جدا؟

أعلن أولمرت في أعقاب أنابوليس: لم أقدم أية تنازلات في مؤتمر أنابوليس، فهل يا ترى يكذب أولمرت على الرأي العام الإسرائيلي أم انه بمنتهى الصراحة والجدية معه؟

ما يستدعي من الفلسطينيين والعرب بالتالي قراءة الفكر السياسي الإسرائيلي والاستعدادات الإسرائيلية الحقيقية للتنازلات التي يطلقون عليها بـ «المؤلمة»مجددا!

كاتب فلسطيني

moc.oohay@urazfawan