لم تعد لغة السياسة ومفرداتها الوافية قادرة على تغطية ما يطرأ على القضية الفلسطينية من تطورات والتواءات وانحرافات تمادى أبطالها إلى حد الجنون في شططهم وأمعنوا في إدارة الظهر لكل ما هو جوهري في ثلاثية مصالح الشعب الفلسطيني المرتكزة على إنشاء الدولة بعاصمتها القدس وتقرير المصير وعودة اللاجئين.

وبات يتعين على كل مهتم في فهم مجريات الأحداث على هذا الصعيد أن يعتمد لغة شكسبيرية أو ماركيزية تعتمد الخيال الجامح أو الواقعية السحرية على التوالي حتى يتسنى له ربما فك طلاسم تلك المعادلة التي أخذت أبعاداً درامية جديدة في أروقة لقاء أنابوليس الأميركي.

صحيح أنه لم ينجم عن هذا اللقاء الأميركي الصرف أي نتائج ملموسة على الإطلاق وأن جل ما اتفق عليه الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي لا يخرج عن دائرة الحديث عن الشروع في مفاوضات حول استهلال مفاوضات تتعلق بضرورة بدء مفاوضات..

إلا أن هذا الحدث سيدخل التاريخ من باب مسلسل التراجعات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ أن تمكنت الحركة الصهيونية من إجبار الأمم المتحدة على إصدار قرار تقسيم فلسطين رقم 181 في 29 نوفمبر عام 1947، أي قبل 60 عاما خلت، القاضي بتقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين واحدة عبرية في الشمال وأخرى فلسطينية في الجنوب.

والدخول الميمون لهذا الحدث إلى قلب المعادلة السياسية في الوطن العربي يضمنه، بالإضافة إلى عوامل وعناصر داخلية فلسطينية وإسرائيلية وعربية وأميركية ودولية أخرى، ما تمخضت عنه حالة الجدل التي رافقت تقدم الولايات المتحدة بشروع قرار للأمم المتحدة يدعو إلى دعم نتائج لقاء أنابوليس الأميركي ومن ثم سحبه والتراجع عنه نزولاً عن رغبة الإسرائيليين وتحفظهم عليه.

أنجبت حالة الجدل تلك موقفين متوافقين تماماً بطليهما هما طرفا الصراع الأساسيين، ففي حين عارضت الدولة العبرية مشروع القرار الأميركي وتحفظت عليه وهو في مهده وتمكنت من إجبار الولايات المتحدة على سحبه، هذا إذا افترضنا أن إدارة بوش كانت جادة أصلاً بالتقدم به أمام مجلس الأمن الدولي، أبدى الفلسطينيون بدورهم معارضة مماثلة ليست أقل وطأة من الموقف الإسرائيلي لذلك المشروع.

ولكل مسوغاته المنطقية طبعاً، على الرغم من أن هذه المقاربة لا تنسحب بشكل تلقائي على مقدرة كل طرف على فرض ما يريد لأن المعركة انتهت حتى قبل أن تبدأ أصلا جراء ضعف الموقف الفلسطيني وجبروت وطغيان الموقف الأميركي- الإسرائيلي.

الفلسطينيون من جانبهم اتخذوا موقفاً سلبياً من مشروع القرار الأميركي خوفاً من أن يجب كل ما صدر عن الأمم المتحدة من قرارات سابقة تعترف ولو جزئياً بثلاثية الحقوق التاريخية الفلسطينية، بحيث تصبح نتائج أنابوليس، التي أفرغت القضية الفلسطينية من أي محتوى سياسي وسجنتها خلف قضبان المتطلبات الأمنية للكيان الصهيوني وحرمتها من مرجعياتها التقليدية.

بما في ذلك اللجنة الرباعية الدولية سيئة السمعة والصيت، هي المرجعية الوحيدة لأي مفاوضات مستقبلية قد تدور بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جانب وبين والعرب أو أي طرف منهم والإسرائيليين من جانب آخر، الأمر الذي يدفع ثلاثية المصالح الفلسطينية إلى غياهب المجهول والغرف المظلمة ويغلق الطريق مرة وإلى الأبد أمام أي مشاريع أو مبادرات أخرى لا تسند إلى هذه المرجعية الأميركية- الإسرائيلية البحتة.

أما الإسرائيليون، فلقد رفضوا المسرحية الأميركية في محاولة خبيثة منهم لنسف تاريخ مدو من القرارات التي اتخذت في كنف الأمم المتحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وأنصفت جانباً ولو يسيراً من الثلاثية الفلسطينية، الأمر الذي يجب في حال تحققه جميع المخاضات السابقة التي كان من الممكن أن تفضي إلى تسوية عادلة نوعا ما.

والذي يظهر بصورة أكيدة أن الإسرائيليين باتوا على يقين لا يرقى إليه الشك بأن كافة قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والتي شكلت كل منها، في وقته، تراجعا استراتيجيا حقيقيا عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، باتت جزءا من تاريخ غابر طواه النسيان.

في مشهد الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم يعد هناك متسع للتحليلات السياسية التقليدية والمألوفة، ذلك أن لغة القوة تفرض نفسها بقوة متناهية عليه وتنحي جانبا كل محاولة الغوص في محاولات استجلاء حقيقة ما يجري، فعلى الرغم من أن الذاكرة لا تزال غضة ومن أن مشهد النكبة الفلسطينية الكئيب لا يزال متواصلا منذ ستين عاما ونيف، ها هي وزيرة خارجية الدولة العبرية تدعو الفلسطينيين ومن على منبر أنابوليس الأميركي عينه إلى عدم العودة إلى استخدام مصطلح النكبة مجدداً.

bassil@albayan.ae